ملتقى نداءات من أجل عالم إنساني متراحم ـ تقرير

” ملتقى نداءات من أجل عالم إنساني متراحم”

تقرير من إعداد:

ذ عبد العزيز حبدي/ ذة شيماء تيجاري/ ذ يوسف الويز / ذ مولاي احمد واليدي

 

نظمت لجنة التواصل التابعة للمركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري ملتقى علميا تفاعليا تحت عنوان” ملتقى نداءات من اجل عالم إنساني متراحم”. و قد استضافت المهندسة حفيظة فرشاشي مديرة الملتقى ثلة من المثقفين العرب و الأجانب و الفاعلين و المتخصصين في مجالات مختلفة لمقاربة موضوع الأزمة الأخلاقية و الاندثار القيمي الذي يعرفه العالم عموما و ما تعانيه فلسطين من ويلات الهجوم الغاشم من الكيان الصهيوني و ما خلفه هذا الهجوم من دمار و مآسي و آلام يندى لها جبين الإنسانية، وذلك بتاريخ 24 أكتوبر 2023. وقد دام هذه الجلسة ما يقارب ساعتين .

افتتحت المهندسة حفيظة فرشاشي هذه الجلسة العلمية بكلمة حول السياق العالم لملتقى نداءات مبينة تعدد مظاهر الأزمة الأخلاقية والفجوة الواضحة بين المبادئ المعلنة والواقع، بالإضافة لازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا وأخرها القضية الفلسطينية وهو ما لا يمكن معه أن التغاضي عن مجريات الأحداث و تطوراتها. ثم رحبت المهندسة بالضيوف الذين أبوا إلا ان يلبوا النداء معتبرين ان واجب المرحلة يقتضي الدعوة إلى إعادة النظر في فاعلية البناء القيمي في سياسات المنتظم الدولي و الإسهام في كل الأشكال الحضارية التي من شانها وقف المجاز التي تقع في كل بؤر التوتر عموما و الإبادة الجماعية التي تقع في غزة على وجه الخصوص. فكانت المداخلات على الشكل التالي:

مداخلة الأستاذ محمد حمداوي لندن ( المغرب):

انطلق السيد محمد حمداوي رئيس المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري في حديثه من أن العالم ما زال بعيدا عن إرساء منظومة شاملة للأخلاق والقيم الإنسانية معرجا على السمة الغالبة في الأنظمة الغربية عامة والمتمثلة في ازدواجية المعايير في التعامل مع القضية الفلسطينية والحرب على غزة. ثم قدم مجموعة من الإحصائيات حول الأزمة مبرزا أن ما يحدث من جرائم في حق الفلسطينيين هي في حقيقة الأمر ثلاثة أنواع ترفضها القوانين الدولية وتجرمها وتعاقب عيها وهي جريمة الإبادة الجماعية والجريمة ضد الإنسانية وجريمة الحرب. كما شدد على تملص المنتظم الدولي الذي أدار ظهره عن هذه الجرائم وعن تطبيق القوانين الدولية التي تبقى حبرا على ورق خاصة بعد انخراطه في الحرب على غزة. ثم حدد مجموعة من الأخلاقيات التي فقدت في هذه الحرب أهمها أخلاقيات الصحافة والأخلاقيات الأكاديمية ودور مؤسسات الإعلام والفكر …

ثم قدم الأستاذ حمداوي مقترحات عملية إجابة على تساؤل ما المطلوب إذن؟ نجملها في الآتي:

– ضرورة عمل إعلامي جاد لنقل الحقيقة كما هي للعالم.

– الحضور في الميادين والساحات للضغط على الحكومات وتشكيل رأي عام.

– الكتابة وتنظيم ندوات في موضوع الأخلاقيات العادلة لبناء عقول منصفة.

– إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني…

وختم مداخلته بحديث نبوي شريف يوضح أخلاقيات وتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في السلم و الحرب.

مداخلة المفكر الفرنسي فرانسوا بورغا من فرنسا:

تناول المفكر الفرنسي الأستاذ فرانسوا بورغا  الحديث في مداخلته من خلال سياسات المنتظم الغربي اتجاه قضايا الحريات والحقوق و ما كان فيها ولا يزال من سلسلة من التجاوزات التي  ترفضها كل المواثيق الدولية بل لا يقبلها منطق. لذلك فضل  الحديث انطلاقا من إطارا تحليلي لمجريات الأحداث المستجدة في فلسطين مبينا أن الغرب يسير بعيدا عن السيادة الدولية وأنه بدأ يخسر تحكمه بالأرض، موضحا أن الأزمة الحالية التي يعرفها الشرق الأوسط هي قمة هذه الخسارة في التحكم. فأصبح لا يستطيع فرض قيمه على العالم. مؤكدا بدوره أن الغرب يستخدم معايير مزدوجة (القيم التي دافع عنها في أوكرانيا ولم تطبق على فلسطين مستدلا بمثال فرنسا) …

مداخل كلمة الأستاذ مويسس ماطو من اسبانيا:

تحدث الأستاذ مويسس ماطو في مداخلته عن غياب الرحمة في العالم؛ حيث تلجا الكثير من الأنظمة إلى العنف إلى تغيير القوانين، وهو عمل الديكتاتوريات في العالم. ليشير بعد ذلك في حديثه إلى ما تعيشه غزة من صراع متفاقم، مشيرا إلى الميول الفادح للولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي إلى موقف إسرائيل قائلا أنهم قد خَلقوا عدوا لتبرير القتل، بينما الجانب الأخر(الفلسطيني) هم في حقيقة الأمر الضحايا. و قد أضاف الأستاذ مويسس ان :”منظروا الحرب لا يموتون فيها عادة”،و أنه -في نظره- لا يمكن استعاده العدالة في ظل هذا الصراع حيث يعلو صوت البنادق”، ليختم كلمته بالدعوة إلى إطلاق مجموعة من المبادرات المناهضة لهذه الفوضى  الموحية لانتشار ثقافة العنف منها:الإكثار من الأنشطة الداعمة للمظلومين، وقف كل أشكال العدوان، ضمان حقوق الناس، وقف كل أشكال العنف المتزايد، الانتصار للمظلوم رغم قلته.

مداخلة المفكر الإسلامي  نور الدين خادمي من تونس:

أكد المفكر الإسلامي و الوزير التونسي السابق السيد نور الدين خادمي أن القضية الفلسطينية هي من قضايا الإنسان التي عنوانها الاستبداد والاحتلال والظلم …. ثم بين أن العالم الإنساني اليوم في حالة اختطاف من أقليات عرقية إيديولوجية غربية ظالمة مستبدة اختطفت فيه الأديان، الخصوصيات، القيم الكونية والدولية، الأسرة، والمعاني والرموز والمقدسات … فآل إلى ما هو عليه اليوم من معاناة إنسانية. وختم كلمته بدعوته أحرار العالم بجميع هيئاتهم إلى استعادة عالمهم من خلال حلف دولي لتحقيق التنادي لكلمة سواء تعلي من القيم الإنسانية لإنقاذ العالم وإرجاعه إلى عالم الحرية والقيم الإنسانية والأخلاق …

مداخلة الأستاذ محمد سعيد با من السنغال:

انطلق الأستاذ محمد سعيد با في كلمته حول

موضوع النداء، بقوله أنه جاء تلبية لما يعيشه الواقع، فالقران الكريم في نداءاته للبشرية من

خلال قوله تعالى:(يا أيها الناس) جاء لتلتقي

على قواعد مرتكزة، تحقق لها العدل والأمن، وتطرح قضايا يلتقي فيها الإنسان معه أخيه الإنسان،ولأن نداء القرآن موجه للإنسانية عموما وموجه للمؤمنين بربطهم والحفاظ على خصوصياتهم. ونبه الأستاذ سعيد با إلى ما يعيشه الإنسان اليوم، حيث الخوف وعدم التوازن. وأنه لا يمكن للإنسان ان يعيش إنسانيته في ظل هذا الخوف قائلا : ” وكيف يمكن ان نستعيدللبشرية توازنها في ظل التسلط الذي يمارسه “الإنسان المسيطر /الخارق”؟ وهو قد فَقَدَ اليوم إنسانيته وتوازنه. ليختم بالدعوة إلى خطوات أساسية نحو عالم إنساني متراحم، أساسه إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان،وبناء الإنسان الصالح بدل المواطن الصالح.

كلمة الدكتورة نورة بوحناش من الجزائر:

انطلقت الدكتورة نورة بوحناش في مداخلتها من سؤال: حقوق الإنسان ونهاية الأخلاق؟ ولماذا كرس الغرب ازدواجية المعايير؟.و في إطار الإجابة عن هذا التساؤل أبرزت الدكتورة نورة حقيقةً يجهلها كثير من المسلمين عندما يتساءلون في العالم الإسلامي: لماذا لا يطبق  الغرب حقوق الإنسان في تعامله مع غيره من المسلمين؟ و المتمثلة في طبيعة المرجعية التي استندت إليها صياغة هذه الحقوق. حيث إن ميثاق حقوق الإنسان انبثق من المعين المنعزل عن الإيمان. وأن طبيعة حقوق الإنسان بالغرب عبارة عن علاقة تعاقدية بين الفرد وطبيعة النظام السائد. فلا عجب أن نذكر جرائم الاحتلال الفرنسي في حق الجزائريين، وكذا بالفييتنام.. وما يحدث الآن في فلسطين مثال للبراديغم الغربي القائم على إقصاء الآخر، وجزء من مشروع إبادة إسرائيلي،وهو عار إنساني، لا يصدقه كل إنسان ذو ضمير. لتختم كلمتها بالدعوة إلى أنسنة أخلاق الحرب، واعتماد المشروع الإسلامي كبديل للأزمة الأخلاقية التي يعيشها الإنسان المعاصر؛ على مستوى الأخلاق حيث فساد البيئة، والانحلال، والظلم… ثم أكدت الدكتورة أن الغرب  وصل الى حد من النفاق والسفاهة يعيد فيه دائما سرديته القديمة فهو كعادته ذو طابع مزدوج المعايير ، لذلك اقترحت الدكتورة نورة أنه ” لابد من الدعوة إذا لتثبيت الأخلاق كبديل ائتماني لما نعيشه”.

مداخلة الدكتورة صباح العمراني من المغرب:

سلطت الدكتورة صباح العمراني  عضو الائتلاف العالمي للأخلاق و القيم الإنسانية في مداخلتها الضوء على الإعلام ودوره في الحروب معتبرة أن التاريخ الحديث قد وضع الإعلام في قفص الاتهام على خلفية مفعول التأجيج والتحريض الذي اطلع عليه فاعلون في هذا القطاع الحيوي إبان العديد من النزاعات، وكان الخبر المضلل والتحريض الخطابي دائما وقودا لحروب دائمة، كما وضحت أن الحروب قد دفعت بالفاعل الإعلامي إلى لعب أدوار بالغة الفظاعة توخت زرع الرعب والتحريض على ارتكاب الجرائم. كما أشارت إلى أن تزايد الاهتمام الشعبي بأخبار الحروب يساهم في الإكثار من عمليات التلاعب بالرأي العام وبث أخبار زائفة ومضللة. لتختم الدكتورة صباح مداخلتها بطلب تكاثف الجهود لفضح زيف هذه الآلة الإعلامية التي تسعى لهدم القيم والمس بالفطرة الإنسانية، والمشاركة  مع الفضلاء للعمل على استعادة المنظومة الأخلاقية ريادتها.

مداخلة الأستاذ  أنور جمعاوي من تونس :

تحدث الأستاذ أنور جمعاوي و هو  باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية  في كلمته عن حالة عدم الاستقرار الذي يعيشه العالم والتي تعزى إلى تنامي  النزاعات التي تروم ضرب حالة السلم

الاجتماعي والعيش المشترك كما تحدث عن حالة الضمور القيمي والتنافر الحضاري والذي يعود إلى الإقصاء والإقصاء المضاد وتنامي خطاب الكراهية.

كما تناول  الأستاذ جمعاوي الحديث عن أزمة القيم وحقوق الإنسان وازدواجية المعايير والكيل بمكيالين بالنسبة للدول الغربية في تعاطيها مع الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على المدنيين في غزة. فالعالم  حسب الأستاذ جمعاوي، يعيش أزمة “ضمير إنساني”. و قد دعا أنور جمعاوي في الأخير إلى احتواء الصراع لتحقيق السلام.

مداخلة الدكتور محمد فخري صويلح من الاردن:

لخص الدكتور والمحامي والخبير ومصرفي الأوقاف والمحكم تجاري والناشط المدني من الأردن مداخلته في سباعية من الأفكار وهي:

1- الإنسان مبتغاه في الحياة أن يعيش حرا كريما وهذا هو أصل الصراع في غزة.

2- نحن مطالبون بكف الظالم عن ظلمه.

3- الإسلام طرف في الصراع القائم في غزة.

4- أنسنة الصراع وأنسنة عمل المقاومة.

5- الحذر من الرواية الإسرائيلية القائمة على الزيف وقلب الحقائق لأنها تفسد العقل والسلوك  فهي تحارب السلوك القويم والفطرة السليمة.

6- انحياز الغرب الرسمي والمؤسسات الغربية الرسمية للرواية الإسرائيلية دون تفكير ،الأمر الذي أدى إلى انكشافها حضاريا وأخلاقيا.

7- ضرورة الوقوف عند مسارات متعددة في الحرب الصهيونية على فلسطين منها المسار الحقوقي والسياسي لرصد جرائم الحرب التي ارتكبها الصهاينة في حق المدنيين بغزة، المسار الإغاثي وإعادة الاعمار،المسار الإعلامي لفضح جرائم الصهاينة في غزة.

مداخلة الدكتورة حسناء قطني من المغرب:

تطرقت الدكتورة حسناء قطني في مداخلتها إلى تعليقها عما يحدث الآن في غزة من جريمة شنعاء على الإنسانية، واعتبرت أن كل متابع لمشاهد هذا العدوان الشرس الذي يرتكبه الكيان الصهيوني الغاشم ضد المدنيين في قطاع غزة لا يسعه إلا أن يستنكر هذه الممارسات اللانسانية التي تضرب عرض الحائط كل المبادئ والأعراف والمواثيق الدولية. كما طرحت في مداخلتها مجموعة من التساؤلات حول الضمير الإنساني وهل أعمت المصالح المادية بصائر الساسة في العالم، وفي المقابل استبشرت خيرا بالأحرار والفضلاء وذوي المروءات الذين يخرجون في مسيرات حاشدة مناصرة ومساندة لفلسطين ومنددة بالجرائم الصهيونية. واعتبرت الدكتورة حسناء قطني ذلك مؤشرا على عمق القوة بين مواقف الحكام ومواقف الشعوب.

كلمة الدكتور فؤاد هراجة من المغرب :

انطلق الدكتور فؤاد هراجة في مداخلته من خلال طرح مجموعة من التساؤلات هي: أين العدالة العالمية؟ وأين الضمير العالمي؟ أين ميثاق الأمم المتحدة؟ أين معاهده جنيف؟ ليجيب أن الحرب على غزة كشفت حقيقة هذا العالم الذي فقد ضميره  الأخلاقي و الإنساني و الشاهد على ذلك هو أن عدد القتلى من الأطفال والشيوخ…و ان معظم من يسقطون مدنيون، عمال إغاثة. كما بين  الدكتور فؤاد أن النظام العالمي الجديد لم يستطع الثبات على ما رفعه من شعار”الكرامة والمساواة والحرية العادلة” الذي اعتقده الجميع وسيلة للسلام والأمان،حتى اعترفت”الدول العظمى”آنذاك بكيان غاصب -إسرائيل- زرع وغرس وسط الشرق الأوسط حتى لا ينعم باستقرار، ذلك لأن العالم لا زال يدور في حلقه مفرغة أمام العربدة الغربية في فلسفة تعاملها مع الآخر، حيث يعتبر دول العالم الثالث دول خارج التاريخ ولابد من إعادتها إليه. ليختم كلمته بالدعوة إلى  تجاوز الفلسفات الغربية التي تعتقد ” بحق القوة وليس بقوة الحق” و “بمنطق القوي هو الأفضل وهو السائد”،  ولا يتأتى هذا -في نظره- إلا بإزالة إسرائيل وكبح السياسات الهوجاء للغرب. والعالم في خندق واحد لإنقاذ العدالة والسلام.

و في نهاية الملتقى و الذي دام قرابة الساعتين تلت المهندسة حفيظة فرشاشي وثيقة “ملتقى نداءات من أجل عالم إنساني متراحم” بعد تقديم الشكر لكل المتدخلين وكل الحاضرين و المتابعين لفعاليات هذه الجلسة العلمية القيمة آملة من كل الأحرار و الفضلاء في العالم كله الوقوف على الأزمة الإنسانية التي أرخت بظلالها على كل المجالات فأفقدت المعنى للوجود الإنساني و زادت من  مستوى التيه الأخلاقي و رفعت منسوب التسلط و القهر و الاستبداد.

لمتابعة الملتقى بالصوت والصورة: