لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو منصة لعرض الوقائع. في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل فيه المصالح، وتتعدد فيه مصادر المعرفة والتأثير، لقد أصبح الإعلام جزءا من البنية التي تُشكّل وعي الإنسان، وتعيد ترتيب أولوياته، بل وتساهم أحيانا في تحديد نظرته إلى ذاته وإلى الآخر وإلى العالم من حوله.
ومن هنا، فإن السؤال عن علاقة الإعلام بالقيَم لم يعد سؤالا نظريا أو ترفا فكريا. إنه سؤال يقع في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم: كيف يمكن للإعلام أن يمارس دوره في صناعة الوعي دون أن يتحول إلى أداة للاستقطاب؟ وكيف يمكن للكلمة والصورة والخبر أن تظل وفية للحقيقة، في زمن أصبحت فيه السرعة تنافس الدقة، وأصبح التأثير أحيانا أهم من الحقيقة ذاتها؟
لقد تغيّرت طبيعة الإعلام بصورة جذرية. لم تعد غرفة الأخبار هي المصدر الوحيد للمعلومة، ولم يعد الصحافي وحده من يملك القدرة على إنتاجها وتوزيعها. فقد أصبح كل مستخدم للهاتف قادرا على التصوير والنشر والتعليق والتأثير. وأصبح الخبر ينتقل في ثوانٍ، وقد يسبق التحقق منه، بينما يمكن لصورة مجتزأة أو عنوان مضلل أن تصنع انطباعا يصعب تصحيحه لاحقا.
في هذا المشهد، تبرز القيم المهنية باعتبارها خط الدفاع الأول عن المعنى.
فالحقيقة ليست مجرد معلومة صحيحة، وإنما مسؤولية تجاه الإنسان الذي سيتلقى هذه المعلومة ويبني عليها موقفا أو حكما أو قرارا. والموضوعية ليست حيادا باردا تجاه الألم والظلم، وإنما التزام بالإنصاف والدقة وعدم التلاعب بالوقائع. أما احترام كرامة الإنسان، فلا ينبغي أن يتوقف أمام اعتبارات السبق الصحفي أو نسب المشاهدة أو عدد النقرات.
لقد أظهر عصر المنصات الرقمية أن المعلومة يمكن أن تكون قوة هائلة، لكنها يمكن أيضا أن تصبح مصدرا للانقسام والتضليل والتحريض. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا ينشر الإعلام؟ بل أصبح أيضا: أي عالم يساهم الإعلام في بنائه من خلال ما ينشر؟
الإعلام الذي يختزل الإنسان في صورة نمطية، أو يحوّل الاختلاف إلى خصومة، أو يجعل من الخوف مادة للتعبئة، لا يؤدي وظيفة إعلامية محايدة؛ إنه يشارك، بوعي أو من دونه، في تشكيل واقع اجتماعي وثقافي أكثر انقساما.
وفي المقابل، يستطيع الإعلام أن يكون فضاء لبناء الجسور. يستطيع أن يقدم الاختلاف باعتباره حقيقة إنسانية لا تهديدا، وأن يفتح المجال أمام تعدد الأصوات، وأن يمنح المهمشين فرصة التعبير، وأن يضع الوقائع في سياقها، وأن يحوّل المعرفة إلى وسيلة للتفاهم بدلا من أن يجعلها أداة للصراع.
وهنا تكتسب فكرة المشترك الأخلاقي الإنساني أهمية خاصة.
فالإعلام، مهما اختلفت لغاته ومؤسساته ومرجعياته، يظل مخاطبا للإنسان. والإنسان، رغم اختلاف الثقافات والهويات والمعتقدات والتجارب، يشترك مع غيره في قيم أساسية: الكرامة، والعدل، والحرية، والسلام، ورفض العنف، واحترام الحياة، والبحث عن الحقيقة.
ولذلك فإن الدفاع عن القيم في الإعلام لا يعني فرض رؤية واحدة على العالم، ولا تحويل الإعلام إلى منبر للوعظ الأخلاقي. بل يعني إعادة الاعتبار إلى المسؤولية التي تلازم حرية التعبير. فكلما اتسعت حرية الإعلام، اتسعت معها مسؤولية ممارستها؛ وكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على الوصول إلى ملايين البشر، ازدادت الحاجة إلى وعي أخلاقي يضبط استخدامها.
وتزداد هذه المسألة تعقيدا مع صعود الذكاء الاصطناعي. فنحن أمام أدوات قادرة على تغيير الحقيقة بالصوت والصورة والفيديو، وعلى إعادة تشكيل الواقع بصورة يصعب أحيانا على المتلقي التمييز فيها بين الحقيقي والمصطنع. وهنا لن يكون التحدي تقنيا فقط، بل أخلاقيا بالدرجة الأولى: من يضمن الحقيقة؟ وكيف نحمي الإنسان مما أصبح يُعرف بالتزييف العميق “Deepfake”؟
إن مستقبل الإعلام لن يتحدد فقط بمدى تطور التكنولوجيا، وإنما بمدى قدرة العاملين فيه على بناء ثقافة مهنية وأخلاقية تضع الإنسان في مركز العملية الإعلامية.
فالإعلام لا يصنع المستقبل وحده، لكنه يساهم في تشكيل الصورة التي نرى بها ذلك المستقبل. والكلمة التي تُكتب اليوم قد تصبح غدا جزءا من ذاكرة مجتمع، والصورة التي تُنشر قد تعيد تشكيل موقف أجيال، والخبر الذي يُصاغ بلا مسؤولية قد يترك أثرا يتجاوز بكثير لحظة نشره.
لهذا، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافق كل ممارسة إعلامية هو: هل نكتفي بنقل العالم كما هو، أم نساهم أيضا في جعله أكثر إنسانية؟ بين الخيارين تتحدد قيمة الإعلام.
وفي زمن تتسع فيه دوائر الاختلاف والأزمات، ربما تكون مهمة الإعلام الكبرى هي أن يحمي مساحة الحوار من الانهيار، وأن يجعل من الكلمة جسرا لا جدارا، ومن الحقيقة طريقا إلى الفهم، ومن الاختلاف فرصة للتعارف لا ذريعة للصراع.
فالإعلام بلا قيم قد يملك القدرة على الوصول إلى العالم، لكنه يفقد القدرة على أن يخدم الإنسان. وقد يستطيع أن يصنع التأثير والانتشار، لكنه حين ينفصل عن الحقيقة والمسؤولية والكرامة، يمكن أن يتحوّل من وسيلة للتقريب إلى أداة للاستقطاب، ومن فضاء للتعارف إلى بيئة لإنتاج الصور النمطية والكراهية والخوف.
أما الإعلام الذي يستند إلى المسؤولية والحقيقة واحترام الإنسان، فإنه لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يستطيع أن يؤدي دورا في بناء المشترك الأخلاقي الإنساني؛ لأنه يملك قدرة استثنائية على تعريف الناس بعضهم ببعض، وعلى كشف المعاناة الإنسانية بعيدا عن الحدود والهويات والانتماءات، وعلى تحويل قضايا الإنسان إلى قضايا يتقاطع حولها الضمير الإنساني.
إن الإعلام، بهذا المعنى، ليس مجرد ناقل للمعلومة، وإنما فاعل في تشكيل الوعي والقيم. فهو يقرر، من خلال ما يختار أن يراه وما يختار أن ينقله وكيفية نقله، من يستحق أن يُسمع صوته، ومن تستحق معاناته أن تصبح قضية عامة، وكيف ننظر إلى المختلف عنا.
ومن هنا يمكن للإعلام أن يكون أحد أهم الجسور التي تُبنى فوقها فكرة المشترك الأخلاقي الإنساني. فعندما يُقدَّم الإنسان قبل هويته، والكرامة قبل الانتماء، والحقيقة قبل الإثارة، والحوار قبل التحريض، فإنه يفتح مساحة يلتقي فيها المختلفون حول ما هو أعمق من اختلافاتهم.
وفي عالم أصبحت فيه المعلومة تَعبُر الحدود في جزء من الثانية، لم تعد مسؤولية الإعلام محصورة في نقل ما يحدث، بل أصبحت مرتبطة أيضا بكيفية صناعة المعنى حول ما يحدث. وهنا تحديدا تتجلى قدرته على الإسهام في بناء المشترك الإنساني: أن يجعل من معرفة الآخر طريقا إلى فهمه، ومن فهمه طريقا إلى احترامه، ومن احترامه أساسا للتعايش والتعاون.
لذلك، فإن الإعلام المسؤول لا يَفرض على الناس أن يتشابهوا، ولا يسعى إلى محو الاختلافات بينهم؛ وإنما يساعدهم على اكتشاف إنسانيتهم المشتركة داخل هذا الاختلاف. وعندما يفعل ذلك، تصبح الكلمة الإعلامية أكثر من خبر أو تعليق أو صورة؛ تصبح فعلا أخلاقيا يمكن أن يسهم في بناء الثقة، ومقاومة الكراهية، وتوسيع دائرة التعاطف، وترسيخ ثقافة الحوار والسلام.
فالمشترك الأخلاقي الإنساني لا يُبنى بالنصوص وحدها؛ إنه يُبنى أيضا في الوعي، والإعلام أحد أهم الفضاءات التي يتشكل فيها هذا الوعي. ومن ثم، فإن السؤال ليس فقط: ماذا يقول الإعلام؟ بل أيضا: أي إنسان نريد أن نصنع من خلال ما نقول؟ وأي عالم نريد أن تساعد كلمتنا على بنائه؟
وفي هذه النقطة تحديدا يمكن للإعلام أن ينتقل من مجرد عكس صورة العالم إلى المساهمة في تغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الإنسان؛ من منطق الخوف من الآخر إلى فهمه، ومن منطق الإقصاء إلى الاعتراف، ومن منطق الصراع إلى البحث عن مساحات الالتقاء.
وهنا تكمن إحدى أهم إمكانات المشترك الأخلاقي الإنساني: أن يتحوَّل الإعلام من فضاء يعكس انقسامات العالم إلى قوة تساعد على بناء الجسور التي يحتاجها هذا العالم.

