ليس كل مؤتمر يأتي في موعده، بعض المؤتمرات تأتي في لحظتها.

وبعد خمسة أيام، يلتقي في لندن باحثون وأكاديميون من مشارب فكرية وثقافية مختلفة، حول سؤال يبدو بسيطا في صياغته، لكنه عميق في دلالاته:

لماذا أصبح الحديث عن المشترك الأخلاقي الإنساني ضروريا الآن؟

لأن العالم يعيش لحظة استثنائية تتسارع فيها التحولات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، بينما تتسع في المقابل دوائر النزاع والكراهية والاستقطاب والإقصاء، وتتزايد الأسئلة حول العدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.

لقد راكمت البشرية خلال العقود الماضية منظومات قانونية ومؤسسات دولية ومبادئ معلنة، لكن المسافة بين ما تنص عليه المبادئ وما يجري في الواقع ما تزال واسعة.

وهنا تكمن راهنية السؤال.

فالمشترك الأخلاقي الإنساني لا يعني أن يصبح العالم نسخة واحدة، ولا أن تتلاشى الخصوصيات الثقافية والدينية والحضارية. إنه، قبل كل شيء، البحث عن أرضية أخلاقية مشتركة تسمح لنا بأن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى صراع، وأن نتعدد دون أن يتحول التعدد إلى إقصاء، وأن نمارس القوة دون أن نفقد البعد الإنساني.

إننا لا نحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات عن السلام بقدر حاجتنا إلى شروطه الأخلاقية، ولا إلى المزيد من الحديث عن العدالة بقدر حاجتنا إلى اختبار حضورها في الواقع، ولا إلى إعلان احترام الإنسان بقدر حاجتنا إلى جعل كرامته معيارا للسياسات والمواقف والممارسات.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر.

فهو لا يطرح «المشترك الأخلاقي الإنساني» باعتباره فكرة مثالية معزولة عن واقع العالم، وإنما يفتحه على أسئلة العدالة الدولية، والدبلوماسية، وبناء الوعي، والعلاقة بين الكونية والخصوصية، والتراحم والمسؤولية الإنسانية في عالم متعدد الأقطاب.

إن السؤال، في جوهره، ليس:

هل نتفق جميعاً؟

بل:

هل نستطيع، رغم اختلافاتنا، أن نتفق على ما يحمي إنسانيتنا المشتركة؟

ذلك هو السؤال الذي يجعل اللقاء في لندن أكثر من مجرد موعد أكاديمي.

إنه محاولة لفتح مساحة للحوار في زمن تضيق فيه مساحات الحوار، ولإعادة وضع القيمة الإنسانية في قلب النقاش حول مستقبل العالم.

خمسة أيام تفصلنا عن المؤتمر..

خمسة أيام قبل أن يلتقي الحوار، لا لكي يلغي الاختلاف، وإنما لكي يبحث عن المعنى الذي يجعل الاختلاف ممكنا، والتعايش ضروريا، والإنسان أولا.

لماذا الآن؟

لأن العالم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى أن يستعيد البوصلة الأخلاقية التي تمكنه من أن يختلف دون أن يفقد إنسانيته.

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare