السلام ليس مجرد غياب للحرب.. ولو كان كذلك، لكان من السهل على العالم أن يدّعي امتلاك السلام كلما توقفت المدافع عن إطلاق النار. لكن التاريخ، كما الحاضر، يُعلّماننا أن الصمت الذي يلي الحرب قد يكون أحيانا مجرد هدنة بين نزاعين، وأن السلام الحقيقي يبدأ من مكان أعمق: من الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الإنسان الآخر.

لهذا يصبح السؤال أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن اتفاق ينهي نزاعا:

هل تستطيع القيم أن تصنع السلام؟

قد يبدو السؤال مثاليا في عالم تحكمه المصالح، وتتنازع فيه الدول النفوذ، وتفرض فيه موازين القوة نفسها على العلاقات الدولية. لكن ربما تكمن المشكلة تحديدا في الاعتقاد بأن السلام يمكن أن يُبنى بالقوة وحدها، أو أن الاتفاقات السياسية قادرة بمفردها على إنتاج سلام مستدام.

فالاتفاق قد يوقف الحرب، لكنه لا يمحو بالضرورة أسبابها، والقانون قد يحدد الحقوق، لكنه لا يضمن دائما احترامها، والمؤسسات قد تضع القواعد، لكنها تحتاج إلى إرادة أخلاقية تجعل تلك القواعد قابلة للحياة.

السلام، في جوهره، ليس ترتيبا سياسيا فقط، إنه أيضا علاقة أخلاقية بالآخر.

حين تغيب العدالة، يصبح السلام قابلا للانهيار.. وحين تُنتهك الكرامة الإنسانية، يتحول الاستقرار إلى مجرد تأجيل للصراع.

وحين يصبح الإنسان مجرد رقم في حسابات القوة والمصالح، تفقد السياسة أحد أهم شروط مشروعيتها.

لذلك، فإن السؤال عن قدرة القيم على صناعة السلام يقودنا بالضرورة إلى سؤال آخر: أي قيم نتحدث عنها؟

نتحدث عن العدالة التي لا تفرق بين إنسان وآخر.

عن الكرامة التي لا تتجزأ بحسب الجنسية أو الدين أو الموقع الجغرافي.

عن الحوار الذي لا يفترض أن يكون الآخر عدوّا لمجرد أنه مختلف.

عن التضامن الذي لا يتوقف عند حدود المصالح.

وعن التراحم باعتباره فعلا أخلاقيا يحرر الإنسان من منطق اللامبالاة تجاه معاناة غيره.

هذه القيم لا تصنع السلام وحدها بالمعنى السياسي المباشر، لكنها قد تصنع البيئة الأخلاقية التي يصبح فيها السلام ممكنا ومستداما.

وهنا تكمن أهمية «المشترك الأخلاقي الإنساني».

فإذا كان العالم مختلفا في ثقافاته وأديانه ومصالحه ورؤاه، فإنه ليس مضطرا إلى أن يكون مختلفا حول قيمة الإنسان نفسه.

قد نختلف حول تفسير العدالة، لكن هل نختلف حول ضرورة الظلم؟

قد نختلف حول طرق تحقيق السلام، لكن هل ينبغي أن نختلف حول حق الإنسان في أن يعيش آمناً؟

قد نختلف حول المرجعيات، لكن هل ينبغي أن تصبح الكرامة الإنسانية قابلة للتفاوض؟

هذه هي المنطقة التي ينبغي أن يبدأ منها الحوار.

إن السلام الذي لا يستند إلى العدالة قد يكون استقرارا مؤقتا، والسلام الذي لا يحمي الكرامة قد يكون مجرد صمت مفروض.

والسلام الذي لا يعترف بالآخر قد يكون هدنة تنتظر لحظة الانفجار.

أما السلام الذي يستند إلى مشترك أخلاقي إنساني، فإنه لا يكتفي بإسكات السلاح، بل يحاول معالجة الشروط التي تجعل السلاح ممكنا أصلا.

ولهذا فإن مهمة الفكر ليست أن يثبت لنا أن القيم جميلة، وإنما أن يسأل عن قدرتها على التحوّل إلى ممارسة: في السياسة، وفي الدبلوماسية، وفي التربية، وفي الإعلام، وفي العلاقات بين الشعوب.

فالقيمة التي تبقى مجرد شعار لا تغير العالم، أما القيمة التي تتحول إلى سلوك ومؤسسة وسياسة وثقافة، فإنها تبدأ في صناعة التاريخ.

بعد يومين، يلتقي المؤتمر في لندن حول هذا السؤال وغيره.

ولعل أهمية اللقاء لا تكمن في امتلاك إجابة نهائية، بل في إعادة وضع السؤال في المكان الذي يستحقه:

هل يمكن أن نبني سلاما حقيقيا من دون أرضية أخلاقية مشتركة؟

ربما لا تستطيع القيم وحدها أن تصنع السلام، لكن من الصعب أن نتخيل سلاما دائما في عالم فقد بوصلته الأخلاقية.

 

 

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare