لم تعد القيم الإنسانية شأنا يخص الفرد وحده، ولا قضية تنتمي إلى مجتمع دون آخر.

ففي عالم تتقاطع فيه المصالح، وتتداخل فيه الأزمات، وتتجاوز فيه آثار القرارات حدود الدول، أصبحت القيم جزءا من السؤال العالمي.

ما معنى العدالة عندما لا تتساوى الشعوب في القدرة على الوصول إليها؟

ما معنى السلام عندما تستمر النزاعات، وتتحول معاناة الإنسان إلى أرقام في نشرات الأخبار؟

وما معنى الكرامة الإنسانية عندما تصبح بعض الأرواح أكثر قابلية للحماية من غيرها؟

هذه الأسئلة تكشف أن القيم لم تعد مجرد مبادئ أخلاقية تُدرّس أو تُعلن، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بكيفية إدارة العالم لعلاقاته وأزماته واختلافاته.

لقد أظهرت التحولات الدولية المتسارعة أن القوانين والمؤسسات، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فحين تغيب المرجعية الأخلاقية أو تخضع القيم لازدواجية المعايير، تصبح العدالة نفسها موضع سؤال، ويصبح السلام هشا، ويتحول الاختلاف من مصدر للتنوع إلى وقود للصراع.

ولهذا فإن الحديث عن المشترك الأخلاقي الإنساني لا ينطلق من الرغبة في توحيد العالم، ولا من إلغاء خصوصياته الدينية والثقافية والحضارية، بل من البحث عن الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي عنده الإنسانية، مهما تعددت مرجعياتها.

أن يكون الإنسان إنسانا قبل أن يكون منتميا إلى هوية أو دولة أو جماعة.

أن تكون كرامته غير قابلة للتجزئة.

وأن تصبح العدالة والسلام والتضامن والتراحم قيَما تتجاوز حدود الخطاب إلى مجال الفعل والمسؤولية.

هنا تتحول القيم من شأن أخلاقي إلى قضية عالمية.

لأن مستقبل العلاقات بين الشعوب لا تحدده المصالح وحدها، كما أن استقرار العالم لا تصنعه موازين القوة وحدها. هناك سؤال أعمق يظل حاضرا: أي عالم نريد أن نبني؟ وعلى أي منظومة من القيم نريد أن يقوم؟

ولعل أهمية هذا السؤال اليوم تكمن في أن البشرية تمتلك من أدوات القوة والتأثير ما لم تمتلكه من قبل، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى منظومة أخلاقية قادرة على توجيه هذه القوة نحو خدمة الإنسان لا تعميق الانقسام بين البشر.

من هنا يأتي المؤتمر الدولي في لندن.

ليس للحديث عن القيم باعتبارها فكرة مجردة، وإنما لطرحها أمام واقع عالمي شديد التعقيد، واختبار قدرتها على أن تكون أساسا للعدالة، والحوار، والسلام، والتعايش والمسؤولية المشتركة.

أربعة أيام تفصلنا عن هذا اللقاء..

وفي كل يوم يقترب فيه الموعد، يقترب معه سؤال أكبر:

هل تستطيع الإنسانية أن تجد في قيَمها المشتركة ما يكفي لبناء عالم مختلف؟

ربما لا يبدأ تغيير العالم من اتفاق الجميع على كل شيء.

ربما يبدأ من اتفاقهم على أن الإنسان لا ينبغي أن يكون هو الخاسر دائما.

 

 

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare