غدا لا تفتح لندن أبواب قاعة معرض P21لمؤتمر آخر..
غدا تُفتح نافذة لسؤال أصبح من الصعب تأجيله:
هل ما يزال بإمكان الإنسان أن يجد، وسط كل هذا الاختلاف، أرضية أخلاقية مشتركة تحمي إنسانيته؟
السؤال ليس جديدا. لكن العالم الذي يُطرح فيه اليوم أصبح أكثر تعقيدا.
عالم تتجاور فيه قوة القانون مع هشاشة العدالة، وتتقدم فيه أدوات الاتصال بينما تتسع أحيانا مساحات الكراهية، وتتحدث فيه السياسة عن السلام بينما تستمر النزاعات، وتُعلن فيه كرامة الإنسان مبدأً كونيا فيما تكشف الممارسة عن تفاوت في قيمة الإنسان وحقوقه.
من هنا لا يأتي مؤتمر لندن بحثا عن وصفة جاهزة للسلام، ولا سعيا إلى بناء منظومة تلغي تعدد المرجعيات والثقافات والأديان والحضارات.
بل يأتي ليطرح السؤال الأصعب:
هل يمكن أن يكون اختلاف البشر جسرا للتعارف، بدل أن يكون ذريعة للصراع؟
ذلك هو المعنى العميق للمشترك الأخلاقي الإنساني كما تطرحه أرضية المؤتمر: منظومة من القيم والمبادئ التي يمكن أن تتقاسمها الإنسانية، رغم اختلاف ثقافاتها وأديانها وحضاراتها، لتكون أرضية للتفاهم والتعاون والتعايش السلمي.
ولهذا يبدأ الحوار من العدالة الدولية.
لأن السلام الذي لا تحرسه العدالة يظل هشّا، ولأن ازدواجية المعايير تُضعف الثقة في النظام الدولي وفي قدرته على حماية الإنسان.
ثم ينتقل إلى الدبلوماسية في عالم متغير، حيث لا يكفي أن تكون السياسة الخارجية فعالة في إدارة المصالح، بل يبرز السؤال حول موقع الأخلاق في صناعة القرار، وحول قدرة القيم المشتركة على الوقاية من النزاعات وتعزيز السلم والاستقرار.
ومن السياسة إلى الوعي.
فلا يمكن بناء مشترك إنساني في عالم تنتشر فيه الكراهية والعنصرية والاستقطاب من دون تربية وإعلام وثقافة تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، وتُحوّل الاختلاف من مصدر للخوف إلى فرصة للفهم والتقارب.
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية:
كيف يمكن أن نتحدث عن قيم مشتركة من دون أن نحول الكونية إلى إلغاء للخصوصية؟
هنا يدخل الحوار إلى المنطقة التي تلتقي فيها الفلسفة بالدين والثقافة والسياسة، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نقطة اختبار حقيقية للعلاقة بين ما هو كوني وما هو خاص، وبين حق المجتمعات في خصوصياتها وحاجتها إلى مرجعية أخلاقية مشتركة.
وفي المحور الأخير، يصل السؤال إلى أكثر مستوياته ارتباطا بالواقع:
ماذا تفعل القيم عندما يدخل العالم في الأزمات؟
هنا يصبح التراحم مسؤولية، والتضامن موقفا، والأخلاق اختبارا، وتصبح الأزمات الدولية مرآة تكشف حقيقة ما نؤمن به وما نمارسه.
فالمشترك الأخلاقي لا يُقاس فقط بما نقوله عن الإنسان في أوقات الاستقرار، وإنما بما نفعله عندما يصبح الإنسان في قلب الأزمة.
ولهذا فإن مؤتمر الغد ليس رحلة من محور إلى محور فحسب، إنه رحلة من المبدأ إلى الاختبار:
من العدالة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الوعي، ومن الوعي إلى إدارة الاختلاف، ومن الاختلاف إلى التراحم والتضامن، ومن القيم إلى سؤال المستقبل.
وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للحوار.
فالحوار ليس أن نتفق على كل شيء.
الحوار هو أن نبحث، رغم اختلافنا، عن الحد الأدنى الذي يجعل استمرار إنسانيتنا ممكنا.
أن نختلف في الدين والثقافة والسياسة، دون أن نختلف حول حق الإنسان في الكرامة.
أن تختلف الدول في مصالحها، دون أن تصبح العدالة رهينة لموازين القوة.
أن تتعدد الهويات، دون أن تتحول الهوية إلى جدار يفصل الإنسان عن الإنسان.
وأن يصبح السلام أكثر من توقف للحرب؛ يصبح نظاما أخلاقيا للعلاقة بين البشر والشعوب والدول.
غدا، في لندن، لن يكون السؤال فقط: ماذا سنقول عن المشترك الأخلاقي الإنساني؟
بل الأهم: ماذا يمكن أن نفعل به؟
هل يستطيع أن يتحول من مفهوم فكري إلى مرجعية؟
من مرجعية إلى وعي؟
ومن وعي إلى ممارسة؟
ومن ممارسة إلى سياسات ومبادرات تصنع فرقا في عالم يحتاج، قبل أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى الإنساني للعدالة والسلام والتراحم؟
غدا يلتقي الحوار في لندن، لا لكي نبحث عن عالم بلا اختلاف، وإنما عن عالم لا يجعل من الاختلاف سببا لفقدان إنسانيتنا المشتركة.
وهنا يبدأ الحوار.

