انتهى مؤتمر لندن، لكن السؤال الذي حمله إلى القاعة لم ينتهِ. وربما لم يكن المقصود منه أن يجد جواباً نهائيا، بقدر ما كان محاولة لإعادة السؤال إلى مكانه الطبيعي: ماذا يبقى من إنسانيتنا عندما تصبح القيم موضع مساومة، والكرامة رهينة القوة، والحق خاضعا لموازين المصالح؟
تلك هي المساحة التي ينبغي أن يُقرأ فيها إعلان لندن.
فالمشترك الأخلاقي الإنساني ليس نظرية جديدة في القيم، ولا محاولة لصهر الاختلافات في منظومة واحدة. جوهره أبسط وأعمق: البحث عن الحد الأدنى الذي يجعل البشر قادرين على الاعتراف ببعضهم بعضا باعتبارهم بشرا، قبل أن يكونوا شعوبا أو دولا أو أتباع ديانات أو أصحاب ثقافات ومصالح.
هناك، في هذه النقطة بالذات، تبدأ الإنسانية.
فالإنسان لا يصبح إنسانا بالقانون وحده، ولا بالانتماء، ولا بالهوية، وإنما بقدر ما يعترف بإنسانية الآخر. وكل منظومة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تفقد هذا الاعتراف، تتحول مهما بلغت درجة تطورها، إلى نظام لإدارة البشر لا لصون الإنسان.
لقد أنتج العالم الحديث ترسانة هائلة من المواثيق والقوانين والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات. ومع ذلك، ما زالت الكرامة تُنتهك، والحروب تُشن، والمدنيون يُقتلون، والشعوب تُهجّر، والفقر يلتهم ملايين الأرواح. فيما يقف المجتمع الدولي عاجزا أو منقسما أمام أبسط مقتضيات العدالة.
المفارقة ليست في غياب القواعد، وإنما في اتساع الهوة بين القاعدة والممارسة.
وهذه الهوة هي أحد أعمق جروح العصر.
الإنسان قبل الاصطفاف:
المشترك الأخلاقي يبدأ من تحرير الإنسان من التصنيفات التي تسبقه.
قبل أن يكون هذا الإنسان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، أوروبيا أو إفريقيا، غربيا أو شرقيا، غنيا أو فقيرا، مهاجرا أو مواطنا… هو كائن يستحق الحياة والكرامة.
هذه الحقيقة تبدو بديهية، لكنها تصبح أكثر صعوبة كلما دخلت السياسة إلى مجال الأخلاق.
فالسياسة تميل إلى الاصطفاف، والأخلاق تميل إلى المبدأ.
السياسة تسأل: من معنا؟ أما الأخلاق فتسأل: ماذا يحدث للإنسان؟
ومن هذه المفارقة تتولد إحدى أكبر أزمات العالم المعاصر: أن يصبح موقع الضحية أهم من إنسانية الضحية، وأن تتغير قيمة الألم بحسب هوية صاحبه.
وهنا تحديدا يكتسب المشترك الأخلاقي ضرورته.
فلسطين في مرآة الضمير:
لا يمكن أن يكتمل أي حديث عن الإنسانية المشتركة من دون فلسطين.
فما يجري هناك وضع الضمير العالمي أمام امتحان لا يسمح بالكثير من التأويل.
الطفل الذي يُقتل في غزة لا يحتاج إلى تعريف سياسي كي يستحق الحياة. والمدني الذي يفقد بيته لا يحتاج إلى بطاقة انتماء كي يستحق الحماية. والجائع لا يصبح أقل استحقاقا للغذاء لأن العالم مختلف حول السياسة التي أوصلته إلى الجوع.. فالإنسانية لا تتجزأ.
وإذا كانت قيمة الإنسان قابلة للتدرج تبعا للجغرافيا أو الدين أو الجنسية أو التحالف السياسي، فإن الحديث عن القيم الكونية يصبح مجرد لغة دبلوماسية.
لهذا تبدو فلسطين أكثر من قضية سياسية: إنها مرآة تكشف مقدار ما بقي من المعنى الأخلاقي في النظام الدولي.
من حقوق الإنسان إلى ضمير الإنسانية:
لقد كان القرن العشرون زمن بناء منظومة حقوق الإنسان. أما القرن الحادي والعشرون فيواجه مهمة أكثر تعقيدا: إعادة بناء الضمير الذي يمنح تلك الحقوق معناها.
القانون ضروري، لكنه لا يكفي. والمؤسسات ضرورية، لكنها قد تعجز. المواثيق ضرورية، لكنها تفقد قوتها عندما تتحول إلى انتقائية.
ما يحمي الإنسان في النهاية هو وجود وعي أخلاقي يجعل انتهاك كرامته غير مقبول، أيا كان الفاعل وأيا كانت هوية الضحية.
وهنا يمكن للمشترك الأخلاقي أن يتحوّل من مفهوم فكري إلى مشروع إنساني واسع: مشروع يعيد وصل القانون بالأخلاق، والسياسة بالمسؤولية، والتنمية بالعدالة، والحرية بالكرامة.
التكنولوجيا أمام السؤال الأخلاقي:
وكلما تقدم الإنسان في السيطرة على التكنولوجيا، ازداد احتياجه إلى السيطرة على نزوعه إلى استخدامها بلا ضوابط، والذكاء الاصطناعي مثال صارخ.
لقد أصبح الإنسان قادرا على إنتاج المعرفة والصورة والصوت، وتحليل السلوك، والتنبؤ، والتأثير، واتخاذ قرارات كانت إلى وقت قريب حكرا على العقل البشري.
لكن السؤال الحاسم لا يتعلق بما تستطيع الآلة فعله.
إنه يتعلق بما ينبغي للإنسان أن يسمح به.
من يضع حدود استخدام القوة الرقمية؟ من يحمي الحقيقة من التلاعب؟ من يحفظ خصوصية الفرد؟ من يمنع تحويل التكنولوجيا إلى أداة للتمييز أو السيطرة أو الحرب؟
كلما اتسعت قدرة الإنسان، اتسعت مسؤوليته. ولهذا فإن مستقبل التكنولوجيا لن يكون تقنيا فقط؛ سيكون أخلاقيا بامتياز.
الاختلاف ليس نقيضا للإنسانية:
ليس المشترك الإنساني دعوة إلى عالم بلا اختلاف.
الاختلاف جزء من طبيعة البشر، ومنه ولدت الحضارات والأفكار والفنون والأديان والتجارب السياسية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من مصدر للتنوع إلى ذريعة لنزع الإنسانية عن الآخر، عندها يصبح المختلف خصما دائما، ثم عدوا، ثم كائنا يمكن التخلص منه.
الحضارة الحقيقية لا تقاس بقدرتها على إلغاء الاختلاف، وإنما بقدرتها على منع الاختلاف من التحول إلى كراهية.
وهنا تكمن قيمة التعاون الحضاري: أن نبحث في تجارب الشعوب عن نقاط الالتقاء، وأن نكتشف أن الرحمة والعدل وحفظ الحياة ونصرة المظلوم ليست ملكية ثقافية خاصة، وإنما روافد متقاطعة في الذاكرة الأخلاقية للبشرية.
ما بعد إعلان لندن:
من هذه الزاوية، لا ينبغي أن ينتهي إعلان لندن في أرشيف مؤتمر. لأن قيمته تبدأ من قابليته للتحول إلى فعل.
المطلوب اليوم ليس إضافة وثيقة أخرى إلى مكتبة القيم الإنسانية، وإنما بناء مسار يجعل هذه القيم حاضرة في التعليم، في الثقافة والإعلام، والبحث العلمي، والسياسة العامة، والعمل المدني، والعلاقات بين الشعوب.
وهذا يتطلب شبكة من المفكرين والباحثين والمثقفين والإعلاميين والحقوقيين والفاعلين المدنيين، لا لتأسيس عقيدة جديدة، وإنما للدفاع عن مساحة إنسانية مشتركة تتسع للجميع.
مساحة لا يُسأل فيها الإنسان أولا: من أنت؟ بل: ماذا تحتاج إنسانيتك كي تُصان؟
المعنى الأخير:
ربما تكون أكبر معركة في هذا القرن معركة حول معنى الإنسان نفسه.
هل يبقى الإنسان قيمة في حد ذاته؟ أم يصبح رقما في اقتصاد السوق، وهدفا في الحروب، وبيانات في الخوارزميات، وصورة في الإعلام، وورقة في حسابات السياسة؟
السؤال يبدو فلسفيا، لكنه في الحقيقة شديد الواقعية.
فكل مرة تُسلب فيها حياة بلا مساءلة، وكل مرة تُهان فيها كرامة بلا حماية، وكل مرة يُبرر فيها الظلم باسم المصلحة، تتراجع الإنسانية خطوة.
وكل مرة يُدافع فيها عن حياة الآخر لأنه إنسان، بصرف النظر عن هويته، تتقدم الإنسانية خطوة.
لهذا لا ينبغي أن يُقرأ إعلان لندن باعتباره خاتمة مؤتمر.. و إنما دعوة إلى استعادة البوصلة.
بوصلة تضع الإنسان قبل القوة، والكرامة قبل المصلحة، والعدل قبل الاصطفاف، والحياة قبل الحسابات.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن الإنسانية بقدر ما يحتاج إلى ممارسة إنسانية تجعل قيمة الإنسان غير قابلة للتجزئة.
ومن هذه النقطة يبدأ الأفق الحقيقي للمشترك الأخلاقي الإنساني:
أن نصل إلى زمن لا تكون فيه إنسانية الإنسان موضوعا للتفاوض.

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare