بسم الله الرحمن الرحيم

المشترك الأخلاقي حاجة إنسانية وضرورة حضارية

لا يختلف اثنان على أن التواصل بين الشعوب والمجتمعات كان ولا يزال من الضرورات التي لا يمكن الاستغناء عنها رغم اختلاف الثقافات، وتباين المرجعيات وتعدد الألسن والهويات، ولعل قول الله عز وجل ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “[1] لخير دليل على ذلك. ولقد سن الله تعالى منهج التعارف بين الشعوب والقبائل والانفتاح على بعضها البعض للحفاظ على التناغم بين مكونات الشعوب المختلفة. لكن مع توالى الأحداث وتجدد القوانين وتغاير الأنظمة وهيمنة الأنانيات أصبح الانفتاح على العالم الخارجي يفرز العديد من مظاهر التوتر والصراع حتى أصبح منطق التطاحن والسعي الى فرض السيطرة على الآخر المنطق المعمول به عالميا. ولما كان الأمر كذلك كان لا بد من البحث عن أرضية مشتركة تجمع البشر جميعا. وإذا كان التنوع والاختلاف سنتين كونيتين وحقيقيتين طبيعيتين ومصدرين من مصادر التنوع الحضاري وسبيلين من سبل التجدد الحضاري كذلك، فما هي الأرضية المشتركة التي يمكنها تحقيق الحاجات الإنسانية وتفعيل السيرورة الحضارية في ظل هذا الاختلاف والتعدد؟

ولما كان الاختلاف سنة كونية ومسلمة حضارية كان لابد من أن يكون الأفق الذي من خلاله يستطيع الانسان التفاعل أفقا رحبا يتجاوز المرجعيات والهويات والإيديولوجيات، أفقا يقبل التعددية ولا ينفي الخصوصية، أفقا ينطلق من مشترك أساسه مجموعة القيم والمبادئ الجامعة التي يمكن أن تتوافق حولها مختلف المجتمعات والشعوب من قبيل الحرية والكرامة الإنسانية والعدل ورفض الظلم والتعاون والحوار والتسامح وقبول الآخر المخالف. إن هذ القيم وغيرها كثير تعتبر من مقومات المشترك الأخلاقي الإنساني الذي مهد له الدين الإسلامي بمقدمات هي صمام الأمان لضمان تحقيق الأخوة الإنسانية والعمران الحضاري المنشود. حيث تمثل وحدة الوجود والخلق أساس هذه المقدمات، كما يعتبر الاستخلاف في الأرض والتكريم والتعارف والانفتاح على الآخر والتدافع ضمانات له.

إن الحديث عن المشترك الأخلاقي الإنساني يكتسي أهميته من كونه مطلبا إنسانيا وضرورة حضارية في الوقت نفسه. فهو مطلب وحاجة إنسانية لارتباطه بطبيعة الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا يستحيل تحقيق وجوده في معزل عن غيره. فطبيعة الإنسان الاجتماعية تحتم عليه التفاعل والمشاركة مع الآخرين لضمان استمرار وجوده. وخلال هذه المسيرة وباعتبار الاختلاف بين الناس فإنهم في حاجة لأرضية أخلاقية مشتركة تخول لهم العيش مع التعدد والتفاعل رغم الاختلاف والاستمرار رغم التباين في العادات والأفكار والتقاليد وطرق التعبير عنها. فالحاجة الإنسانية الى تجاوز التقاطب الذي فرضه رفض الآخر ومحاولة إقصائه من القيام بواجباته الحضارية تفرض الالتفاف حول الحد الأدنى من المبادئ والقيم الأخلاقية المشتركة التي تسمح للإنسان أن يتعايش مع المخالف في إطار يحقق الاعتراف بحقه في العيش الكريم، لذلك يوصي الحق سبحانه باتخاذ مجموعة من الوسائل والسبل لقبول التعددية وتدبير الاختلاف بوسائل حضارية راقية. يقول الباري تعالى” أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”[2].

وإذا كان المشترك الأخلاقي الإنساني يقصد به مجموع القيم والمبادئ التي تتجاوز الخصوصيات الثقافية والدينية والحدود الجغرافية، فإنه ضرورة حضارية ينبني عليها مجتمع العمران القائم على التعارف والتدافع. فالعالم بعدما توالت عليه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانتكاسات الحقوقية أصبح محكوما بمنطق الصراع والتطاحن والاستبداد. وأمام هذا المأزق المركب كان لزاما السعي نحو إعادة بناء مشترك أخلاقي إنساني يفعل فرص التفاعل والتكامل والتعاون الحضاري مشترك يتجاوز كل مظاهر التعصب والانغلاق ويصد كل الأنانيات الداعمة للاقصاء والظلم والاضطهاد بكل أنواعه. فالضرورة الحضارية تجعل من المشترك الأخلاقي مدخلا رئيسيا لتوسيع دائرة المشترك بين الحضارات وجسرا قويا بين المجتمعات للسمو بالحياة البشرية من زيف الشعارات الرنانة الى عالم يسوده التعاون والتراحم والتسامح.

وخلاصة القول، إن المشترك الأخلاقي الإنساني أصبح مطلبا إنسانيا وضرورة حضارية في آن واحد لأنه يستجيب لحاجة الانسان للعيش في مجتمع تحكم قواعد ومبادئ تضمن له حقوقه وتوفر له حاجاته بغض النظر على كل الاختلافات والتقاطبات بين البشر. إنه ضرورة حضارية تحترم الخصوصيات ولا تلغيها وتفسح المجال أمام كل المجتمعات لبناء علاقات قائمة على الحوار والاحترام والتعاون. فالحضارة البشرية لن تقوم ولن تستمر في ظل التطاحن والصراع والانقسام وانما تكتمل دورتها بحفظ الأمان والعدل والكرامة والاندماج والاشراك والمشاركة حتى يصبح العالم يعيش في وحدة وتنوع متناغمين.

# المشترك-الأخلاقي-الي-الإنساني

#نحو-عالم-يسوده-العدل-والسلام-والتراحم

 

 

 

[1]  سورة الحجرات الآية 13

[2] سورة النحل الآية 125

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare