مقال فكري حول المؤتمر
حين تعجز السياسة عن صناعة السلام: هل يستطيع المشترك الأخلاقي إنقاذ إنسانيتنا؟
يعيش العالم اليوم مفارقة تاريخية لافتة: كلما ازداد الإنسان تقدما في العلم والتكنولوجيا والاتصال، ازدادت قدرته على التأثير في مصير الآخرين، لكن ذلك لم يؤد بالضرورة إلى عالم أكثر عدلا وسلاما؛ فما زالت الحروب تستنزف المجتمعات، والنزاعات تهدد الاستقرار، والفقر والتهميش يوسعان دوائر الهشاشة، فيما تنتشر خطابات الكراهية والعنصرية والإقصاء عبر الحدود، وتتحول بعض أدوات التكنولوجيا الحديثة إلى وسائل لتعميق الانقسام بدلا من بناء جسور التفاهم.
أكيد أن البشرية راكمت خلال القرون الأخيرة ترسانة هائلة من القوانين والمؤسسات والاتفاقيات الدولية التي يفترض أن تحمي الإنسان وتصون كرامته وتحد من استخدام القوة؛ لكن الوقائع اليومية تكشف عن فجوة مهولة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية؛ فالقانون لا يكفي وحده إذا غابت الإرادة الأخلاقية، والمؤسسات لا تستطيع تحقيق العدالة إذا أصبحت القيم خاضعة لمنطق القوة والمصلحة؛
ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في سؤال يبدو بسيطا لكنه عميق الدلالة: ما الذي يجمع البشر، رغم اختلاف أديانهم وثقافاتهم وحضاراتهم ومصالحهم؟
قد تختلف الإنسانية في تصوراتها الفلسفية والدينية والسياسية، لكنها تلتقي، بدرجات متفاوتة، حول قيم أساسية مثل العدل، والكرامة، والحرية، والرحمة، والتضامن، واحترام الحياة، ونبذ الظلم، والبحث عن السلام… وغيرها؛ وهذه القيم لا تنتمي إلى حضارة واحدة أو دين واحد أو ثقافة واحدة؛ إنها جزء من الرصيد الأخلاقي المشترك الذي راكمته التجربة الإنسانية عبر التاريخ.
على هذا الأساس تبرز أهمية مفهوم المشترك الأخلاقي الإنساني، الذي لا يعني إلغاء الاختلافات أو فرض نموذج ثقافي واحد على العالم، بل البحث عن أرضية إنسانية مشتركة تسمح باختلاف الأغيار دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع، وأن يتعاونوا دون أن يضطروا إلى التخلي عن خصوصياتهم؛ فالعالم لا يحتاج بالضرورة إلى أن يصبح متشابها حتى يعيش في سلام؛ بل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يعيش اختلافه بسلام.
ولعل أعظم اختبار للمشترك الأخلاقي يظهر في لحظات الأزمات؛ فعندما تقع الحروب والكوارث والمجاعات والنزوح، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل قيمة الإنسان مرتبطة بجنسيته؟ أم بدينه؟ أم بلونه؟ أم بموقعه الجغرافي؟ أم بقوة دولته؟ أم أن كرامة الإنسان قيمة في ذاتها، تستحق الحماية أينما كان صاحبها؟
فإذا كانت الكرامة الإنسانية عالمية، فإن التضامن الإنساني ينبغي أن يكون عالمياً أيضا؛ وإذا كان الظلم مرفوضا عندما يقع علينا، فمن المنطقي والأخلاقي أن نرفضه عندما يقع على الآخرين؛
في هذا السياق تظهر مشكلة ازدواجية المعايير التي أصبحت من أكثر مظاهر أزمة النظام الدولي إثارة للقلق؛ فالقيم تفقد قوتها عندما يتم تطبيقها انتقائياً، والعدالة تفقد معناها عندما تصبح مرتبطة بموازين القوة، وحقوق الإنسان تفقد مصداقيتها عندما تتحول إلى أداة سياسية بدلاً من أن تكون التزاماً إنسانياً مشتركاً.
إن استعادة الثقة في العدالة الدولية لا تتطلب فقط تطوير القوانين، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية؛ فالدول، مهما اختلفت مصالحها، لا تستطيع أن تعيش في عالم خال من القيم؛ والمجتمع الدولي الذي تحكمه القوة وحدها يظل معرضاً باستمرار للصراع وعدم الاستقرار؛ انطلاقا من ذلك، يمكن للمشترك الأخلاقي أن يؤدي وظيفة تتجاوز المجال النظري؛ إذ يمكن أن يصبح مرجعية للحوار، وأساسا للوساطة، ومنطلقا للوقاية من النزاعات، ومصدرا لبناء سياسات أكثر إنسانية.
فالسلام الحقيقي لا يبدأ دائماً من طاولة المفاوضات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: من التربية، ومن الخطاب الإعلامي، ومن الأسرة والمدرسة والجامعة، ومن طريقة تعامل الإنسان مع المختلف عنه، ومن قدرة المجتمعات على مقاومة الصور النمطية وخطابات التحريض والكراهية؛
ولهذا فإن بناء عالم يسوده السلام ليس مسؤولية الحكومات والمؤسسات الدولية وحدها، بل مسؤولية مشتركة تشارك فيها الجامعة، والمدرسة، والأسرة، والإعلام، والمجتمع المدني، والمثقف، والباحث، والفنان، والشباب….
ففي عصر الثورة الرقمية، أصبح لهذه المسؤولية بعدا جديدا فالكلمة التي كانت في الماضي تصل إلى دائرة محدودة، تستطيع اليوم أن تعبر القارات خلال ثوانٍ؛ كما يمكن لمنشور واحد أن يساهم في نشر التسامح والتضامن، كما يمكن لمحتوى آخر أن يغذي الكراهية والتحريض والانقسام.
لذلك لم تعد التربية على القيم الإنسانية ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية؛ لدلك نحتاج إلى تربية أجيال قادرة على الاختلاف دون كراهية، وعلى الحوار دون إقصاء، وعلى الدفاع عن حقوقها دون إنكار حقوق الآخرين.
من جانب اخر يحتاج التراحم الإنساني بدوره إلى الانتقال من مستوى المشاعر إلى مستوى السياسات؛ فالتعاطف مع ضحايا الحروب لا يكفي إذا لم يتحول إلى مبادرات لحمايتهم؛ والتضامن مع اللاجئين لا يكفي إذا لم ترافقه سياسات دولية تضمن كرامتهم وحقوقهم؛ والتعاطف مع ضحايا الفقر لا يكفي إذا استمرت البنى الاقتصادية التي تنتج التفاوت والإقصاء.
ذلكم أن التراحم الدولي الذي نحتاجه ليس مجرد إحساس عابر، بل هو تصور أخلاقي للعلاقات بين الشعوب والدول، يقوم على الاعتراف بأن مصير الإنسانية أصبح مترابطاً بصورة غير مسبوقة؛ ويمكن في هذا السياق أن نستحضر أن الأزمات البيئية لا تعترف بالحدود، والأوبئة لا تتوقف عند المعابر، والأزمات الاقتصادية تنتقل من دولة إلى أخرى، والنزاعات المحلية يمكن أن تتحول إلى أزمات إقليمية ودولية؛ ولذلك فإن الإنسانية، رغم اختلافاتها، أصبحت أكثر حاجة إلى التعاون.
لا شك إذن أننا نعيش اليوم مفارقة كبرى حيث أصبح العالم أكثر ترابطا من أي وقت مضى، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر تضامنا؛ وحتى يتم تجاوز هذه المفارقة، نحتاج إلى الانتقال من مفهوم “المصالح المشتركة” وحده إلى مفهوم أوسع قائم على المسؤولية الإنسانية المشتركة”.
ومن هذا المنطلق يأتي المؤتمر الدولي “المشترك الأخلاقي الإنساني ودوره في بناء عالم يسوده العدل والسلم والتراحم”، الذي ينظمه المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري (ICVCC) – لندن، يوم 12 شتنبر 2026 في لندن؛
ذلك أن أهمية هذا المؤتمر لا تكمن فقط في مناقشة مفهوم فلسفي أو أخلاقي، وإنما في محاولة فتح نقاش عالمي حول سؤال شديد الصلة بمستقبل البشرية: هل يمكن أن نجعل من القيم الإنسانية المشتركة أساسا جديدا للعلاقات بين الشعوب والدول؟
كما أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب مشاركة الباحثين والمفكرين والأكاديميين والفاعلين المدنيين والإعلاميين وكل من يؤمن بأن الاختلاف بين البشر يمكن أن يكون مصدر غنى، لا سبباً للصراع؛ فربما يكون العالم اليوم في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة اكتشاف ما يجمعه قبل أن يستمر في التركيز على ما يفرقه؛
وأكيد أنه لا يمكن اعتبار المشترك الأخلاقي الإنساني حلا سحريا لكل أزمات العالم، لكنه يمكن أن يكون بداية فكرية وأخلاقية لإعادة بناء الثقة بين الإنسان والإنسان، وبين المجتمع والمجتمع، وبين الحضارة والحضارة، وبين الدولة والدولة؛ في أفق إحلال سلام يؤطره التراحم والتعاون الإنساني.

