في عالم تتسع فيه مساحات الاختلاف، وتتعدد فيه الهويات والمرجعيات، وتتعقد فيه العلاقات بين الشعوب والدول، يبدو البحث عن لغة مشتركة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
لكن أي لغة يمكن أن تجمع هذا العالم؟
ليست بالضرورة لغة واحدة تُلغي اللغات الأخرى، ولا ثقافة واحدة تحلّ محل الثقافات، ولا رؤية واحدة تفرض نفسها على الجميع.
إنها لغة القيم..
لغة يستطيع الإنسان أن يفهمها، حتى عندما لا يتحدث اللغة نفسها، ولا ينتمي إلى الثقافة نفسها، ولا يحمل المرجعية ذاتها.
فالعدل قيمة تتجاوز الحدود، والكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون حكرا على هوية، والسلام لا يمكن أن يكون امتيازا لجغرافيا دون أخرى، والتراحم والتضامن لا يفقدان معانيهما لأن البشر مختلفون في معتقداتهم وثقافاتهم.
من هنا يكتسب مفهوم المشترك الأخلاقي الإنساني دلالته المستقبلية.
فالمشترك لا يعني إلغاء الخصوصية، وإنما يعني إيجاد المساحة التي يمكن أن تلتقي فيها الخصوصيات دون أن تتحول إلى جدران.
والمستقبل، في عالم شديد الترابط، لن يكون بالضرورة للأكثر قوة فقط، ولا للأكثر تقدما في التكنولوجيا وحدها، وإنما سيكون أيضا لمن يستطيع أن يبني قواعد أخلاقية للتعايش مع الاختلاف.
لقد جعلت التكنولوجيا العالم أكثر قربا من حيث الاتصال، لكنها لم تجعله بالضرورة أكثر قربا من حيث الفهم. وأصبح الإنسان قادرا على الوصول إلى الآخر في لحظة، لكنه قد يكون عاجزا عن فهمه أو احترامه أو الحوار معه.
وهنا تبرز الحاجة إلى المشترك الإنساني.
فهو لا يقدم إجابة جاهزة لكل أزمات العالم، ولا يدعي امتلاك الحقيقة كاملة، لكنه يفتح طريقا للتفكير في مستقبل لا يكون فيه الاختلاف مبررا للكراهية، ولا الخصوصية ذريعة للإقصاء، ولا القوة بديلا عن العدالة.
إن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من المختبرات ومراكز القرار، بل يبدأ أيضا من الوعي الذي نريد أن نحمله إلى هذا المستقبل.
أي إنسان نريد أن نصنع؟
وأي علاقات نريد أن نبني بين الشعوب؟
وأي قيم نريد أن تحكم عالمنا عندما تصبح أدوات التأثير أكثر قوة من قدرة المجتمعات على ضبطها؟
لذلك، فإن المشترك الإنساني يمكن أن يكون أكثر من مفهوم فكري، يمكن أن يصبح لغة للحوار، ومنهجا للتعايش، وأفقا للمسؤولية المشتركة.
ثلاثة أيام تفصلنا عن مؤتمر يضع هذا السؤال في قلب النقاش.
ثلاثة أيام قبل أن تلتقي أصوات متعددة في لندن، لا بحثا عن تطابق المصالح والرؤى، وإنما بحثا عن المعنى الذي يمكن أن يجمع الإنسان بالإنسان.
ثلاثة أيام..
وربما تكون لغة المستقبل هي أن نتعلم كيف نختلف دون أن نفقد مشتركنا الإنساني.

