بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

مقدمة:

مركزية الأخلاق والقيم في بناء الإنسان والمجتمع تتجلى في الحقيقة الثابتة تاريخيا وثقافيا، إذ شكلت الأخلاق والقيم الركيزة الجوهرية للمجتمعات عبر العصور وكانت عنصر توازن واستمرارية للحضارات، هذه المركزية  تُبْقي الأخلاق والقيم بوابة بالنسبة لكثير من الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع والتربية منفذا لإنقاذ المجتمعات الإنسانية من الأزمات التي تعيشها والتحديات المعاصرة، ومما يعزز قوة هذا المنفذ، هو أن التربية الأخلاقية تمثل مشتركا إنسانيا جامعا تلتقي عنده جميع المجتمعات على اختلاف مرجعياتها، مما يجعلها أرضية عالمية صلبة لمواجهة الأخطار المشتركة.

بهذا تكون التحديات المجتمعية المعاصرة العابرة للقارات والحدود قد وضعت التربية على الأخلاق والقيم في عين العاصفة مع مؤسسات التنشئة الاجتماعية المكلفة بها (الأسرة، وإعلام، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني، ودور العبادة من مساجد ومؤسسات دينية و…) حين نسائلها عن مدى إمكانية تأثيرها في سلوك الأفراد من خلال التربية الأخلاقية لتجاوز هذه التحديات، خاصة إذا علمنا أن العملية التربوية عليها أن تكون شاملة ومستدامة وتجمع بين الخصوصية المحلية والأبعاد الكونية.

من هذا المنطلق تتبلور الإشكالية المحورية التالية: كيف يمكن تفعيل التربية الأخلاقية بكونها مشركا إنسانيا جامعا لبناء استراتيجية تربوية شاملة قادرة على الصمود وتحدي التحولات العميقة والعالمية، وقادرة على توجيه مؤسسات التنشئة الاجتماعية لترجمة هذه القيم إلى سلوكات حية تنقذ المجتمعات والإنسانية؟

تتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة التالية:

  1. كيف تبلورت مركزية الأخلاق والقيم في بناء الإنسان والمجتمع عبر التاريخ، وماذا يمكننا أن نستفيد من تجارب المجتمعات القديمة التي جعلت الأخلاق والقيم ركيزة جوهرية لها؟
  2. ما هي طبيعة التحولات والتحديات المجتمعية المعاصرة، وكيف يمكن تجاوزها من خلال التربية على الأخلاق والقيم بكونها مشتركا إنسانيا يمكن التعاون عليه؟
  3. ما مدى تأثير التربية على الأخلاق والقيم في سلوك الأفراد بشكل ملموس؟
  4. ما أثر التربية على الأخلاق والقيم في مؤسسات التنشئة الاجتماعية على التحديات المجتمعية؟
  5. كيف يمكن صياغة استراتيجية تتكامل فيها أدوار المؤسسات التعليمية مع مؤسسات التنشئة الاجتماعية في التربية الأخلاقية لتكون عملية تربوية شاملة؟

للإجابة عن هذه التساؤلات سنعتمد الهيكلة التالي:

المحور الأول: الأبعاد التاريخية والفلسفية والكونية للقيم

  1. مركزية الأخلاق والقيم في بناء الإنسان والمجتمع
  2. الأخلاق والقيم في المجتمعات القديمة،
  3. مركزية الأخلاق والقيم في بناء الإنسان والمجتمع.

المحور الثاني: مأزق الواقع وتحولات العصر

  1. تحولات مجتمعية معاصرة عميقة وتحديات معقدة،
    • التحولات المعاصرة والأخلاق والقيم،
    • التحديات المعاصرة،
  2. التحديات المعاصرة والأخلاق والقيم.

المحور   الثالث: المقاربة التربوية ومؤسسات التنشئة

  1. تأثير التربية على الأخلاق والقيم في سلوك الأفراد،
  2. التربية الأخلاقية بين التحديات المجتمعية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية.

 

 

 

المحور الأول: الأبعاد التاريخية والفلسفية والكونية للقيم

1. مركزية الأخلاق والقيم في بناء الإنسان والمجتمع:

تشكل الأخلاق والقيم الركيزة الجوهرية والعمود الفقري الذي ينهض عليه المجتمع، إذ تمثل “النظام العلني” والإطار المرجعي الذي ينظم علاقات الأفراد فيما بينهم، ويوجه سلوكهم نحو الغايات القصوى التي تعزز العدالة والكرامة والاحتكام إلى مبادئ العدل والمسؤولية والنزاهة والتراحم المتبادل، وتعزز الانسجام الاجتماعي وتوفر إطار للعمل الجماعي والتضامن. ولا تقتصر وظيفة هذه المنظومة على مجرد الضبط الاجتماعي الصوري، بل تتجاوز ذلك لتصبح “الخيط الناظم” لبناء المجتمع، والأساس المتين لبناء الهوية الجماعية، وضمان استمرارية حضارة المجتمعات وصمودها عبر الزمن، فهي بمثابة “النظام التشغيلي” للهوية الشخصية والمجتمعية، وهي أيضا “ميثاق غير مكتوب” يملأ الفراغات التي قد يتركها القانون التشريعي.

2. الأخلاق والقيم في المجتمعات القديمة:

عبر التاريخ، كانت القيم الأخلاقية المحرك الرئيس لتحقيق التقدم الاجتماعي والثقافي في الحضارات القديمة، مثل مصر واليونان والصين وغيرها، وشكلت القيم الأخلاقية جزءا جوهريا من النظم الاجتماعية والدينية.

في الصين شدد كونفوشيوس، الفيلسوف والمعلم الصيني، على أهمية العلاقات الاجتماعية المنظمة، مؤكدا أن السلوك الأخلاقي يبدأ من الأسرة وينتقل إلى المجتمع والدولة، بحيث تكون الفضيلة الفردية هي الحجر الأساس لاستقرار الكيان السياسي[1]، وشكلت الأخلاق والقيم في مصر القديمة جزءا لا يتجزأ من النظام الاجتماعي والديني، إذ اعتبرت معيارا للحياة الفاضلة، وميزانا يحاسب به الأفراد في الحياة الأخرى[2]، وفي اليونان القديمة، برزت مساهمات فلسفية عميقة في مجال الأخلاق، نقلت النقاش القيمي من دائرة الأسطورة إلى فضاء العقل والبرهان، خصوصا مع فلاسفة مثل سقراط، الذي ربط بين الفضيلة والمعرفة معتبرا أن “الفضيلة علم والرذيلة جهل”، وأفلاطون، الذي صاغ مفهوم “العدالة” في إطار رؤية مثالية للعالم تربط بين استقامة النفس ونظام المدينة الفاضلة، وأرسطو، قدم نظرية الفضيلة بوصفها توازنا أخلاقيا عمليا يقوم على مبدأ “الوسط الذهبي” بين رذيلتي الإفراط والتفريط. وقد أثرت هذه الأطروحات في تشكيل مفاهيم أخلاقية قائمة على العقل والحكمة، بدلا من مجرد الامتثال للسلطة الدينية أو الاجتماعية [3]، وأرست دعائم “الأخلاق الفلسفية” التي لا تكتفي بظاهر السلوك، بل تبحث في دوافعه العقلية وغاياته النهائية، وأسهمت في بلورة مفاهيم مؤسسة حول الفضيلة والسعادة والعدالة، وشكلت الفلسفة الأخلاقية عند سقراط وأفلاطون وأرسطو أساسا مرجعيا ظل مؤثرا في الفكر الإنساني لقرون لاحقة [4]، أما الأخلاق الرومانية فظهرت كمزيج من الانضباط القانوني والحكمة الفلسفية، بما يحقق التوازن بين حقوق الفرد ومصالح المجتمع، فالحضارة الرومانية نقلت الأخلاق من دائرة “الفضيلة الفردية” اليونانية إلى دائرة “الواجب المدني” والمواطنة المسؤولة، وهو تحول أسس لفكرة “سيادة القانون” القائمة على قيم العدل والإنصاف.

أما في المجتمعات الإسلامية فقد اعتبرت الأخلاق إطارا اجتماعيا يربط الدين والعلم والسياسة والاقتصاد، من خلال توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية، وعملت هذه المجتمعات على الانفتاح لتعميم رسالة الأخلاق السامية التي جاء ليتممها رسول الله ﷺ مصداقا للحديث الشريف الذي قال فيه ﷺ: إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ[5]، وتطورت الأخلاق الإسلامية وتوسعت آفاقها من خلال جهود الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة المسلمين الذين صاغوا رؤية شمولية لمبادئ السلوك البشري، ومن أبرزها: العدل، والرحمة، والصدق، والأمانة، والتكافل، والنية الصالحة،.. وهي قيم تشكل في مجموعها “مكارم الأخلاق” التي جاء رسول ﷺ ليتممها.

في حين عرفت العصور الوسطى في أوروبا قيما أخلاقية في إطار المرجعية الدينية للكنيسة، حيث مثل الدين المصدر الأساسي لتوجيه السلوك الفردي والجماعي، ومارست الكنيسة الكاثوليكية نفوذا قويا على الحياة الفكرية والاجتماعية، واعتبرت القيم مثل الطاعة، الإيمان، التقوى، والتواضع من أهم سبل النجاة الروحية، وساهم الإصلاح البروتستانتي للكنيسة، كما طرحه مارتن لوثر، في التشكيك بسلطتها التقليدية، ودعا إلى أخلاق شخصية قائمة على الضمير والإيمان المباشر، مما أضعف الوساطة المؤسساتية في تحديد الصواب والخطأ [6].

لم يكن تأثير الثورة الصناعية على القيم أحادي الاتجاه، بل اتسم بالتعقيد والتداخل. فمن جهة، ساهمت الثورة الصناعية في تحقيق إنجازات تقنية وعلمية عظيمة، وفي نشر قيم مثل الحرية الفردية، والعقلانية، والحق في التعليم. ومن جهة أخرى، أدت إلى تحديات أخلاقية كبرى صورها الأدب ببراعة، كما فعل تشارلز ديكنز في روايته “أوقات عصيبة”، حيث انتقد طغيان الحسابات المادية الجافة على المشاعر والقيم الإنسانية[7]، وكانت الثورة الصناعية بمثابة “مختبر” ولدت فيه قيم المواطنة الحديثة والحركات النقابية، لكنها أيضا ولدت أزمات “الشيئية” والاستغلال، وأكدت هذه المرحلة أن التقدم المادي لا يعني بالضرورة رقيا أخلاقيا، ليبقى التحدي الأكبر متمثلا في كيفية تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية أحد أبرز الأسئلة الأخلاقية المطروحة حتى اليوم.

على الرغم من تعدد الأديان والأنظمة السياسية في الفترات السابقة، فإن القيم مثل العدالة، والتضامن، والشجاعة ظلت مطلبا في كل الأزمنة، ويتبين أيضا أن الجذور التاريخية للأخلاق والقيم في الحضارات القديمة قد ساهمت في إمداد التصور الفكري بمفاهيم تأسيسية لا تزال حية إلى يومنا هذا.

3. أصول القيم الدينية والفلسفية والاجتماعية:

إن اختلاف أصول الأخلاق والقيم بين المرجعية الدينية، التي تؤسس الأخلاق على الإرادة الإلهية والوحي، والمرجعية الفلسفية، التي تستند إلى العقل والتجربة الإنسانية، ثم المرجعية الاجتماعية والتربوية، التي ترى في الأخلاق نتاجا للتنشئة والتفاعل الجماعي، ورغم الاختلاف في منطلقاتها وتصوراتها ومفاهيمها فإن: [8]

  1. إدراج الأخلاق والقيم في مؤسسات التنشئة الاجتماعية من وجهة نظر دينية سوف يسهم في ترسيخ “الهوية الدينية” للمتعلم مع انفتاحه على “القيم الكونية” المشتركة. خصوصا، أن الأخلاق الإسلامية في مجتمعنا هي إطار اجتماعي يربط بين الدين والعلم والسياسة والاقتصاد، ويعمل على الانفتاح لتعميم رسالة الأخلاق السامية التي جاء رسول الله ﷺ ليتممها مصداقا للحديث الشريف «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

2- إدراج الأخلاق والقيم في مؤسسات التنشئة الاجتماعية من وجهة نظر فلسفية سوف تتقاطع في التأكيد على أن القيمة الأخلاقية ليست معطى جاهزا، بل هي “بناء عقلي وسلوكي” يتطلب الجهد الفردي والمجتمعي، وعليه سيسهم إدراج القيم في المناهج التعليمية من هذا المنظور إلى تنمية “التفكير النقدي” والممارسة الميدانية.

3- إن إدراك تعدد هذه المصادر وقوتها التأثيرية يفرض على مؤسسات التنشئة الاجتماعية ضرورة التخلي عن المقاربات الأحادية، والتوجه نحو تقديم مادة قيمية “مركبة”، تخاطب عقل الناشئة (فلسفيا) لتعزيز الاقتناع المنطقي، وتلمس وجدانها وهويتها (دينيا) لترسيخ الوازع الباطني، وتربطها بمحيطها والتزاماتها المدنية (اجتماعيا) لضمان الفاعلية المجتمعية.

وبناء على هذا التركيب والتعدد فإن إدراج الأخلاق والقيم في مؤسسات التنشئة الاجتماعية يعد استثمار في دعم “الهوية” ودعم “للمستقبل الحضاري” للمجتمعات.

 

المحور الثاني: مأزق الواقع وتحولات العصر

1. تحولات مجتمعية معاصرة عميقة وتحديات معقدة:

1.1. التحولات المعاصرة والأخلاق والقيم:

شهد التاريخ الحديث مع الثورة الصناعة الانتقال من المجتمعات الزراعية التقليدية إلى مجتمعات صناعية حديثة ترتب عنه تفكك أنماط الحياة الأسرية والمجتمعية القديمة، وظهرت علاقات جديدة تتسم بالفردانية، والتنافس، وتسليع العمل البشري مع ظهور المصانع وانتقال الأفراد إلى المدن (التمدن القسري)، وتقلص دور الأسرة الاجتماعي، وظهرت قيم جديدة ترتبط بالكفاءة والربح والإنتاجية.

خلال العقود الأخيرة شهد العالم تحولات سريعة وعميقة بفعل الانفجار الرقمي والتطور التكنولوجي المتسارع والعولمة، وهو ما جعل المنظومات القيمية أمام تحديات غير مسبوقة تمس البنية الأخلاقية للمجتمعات وتؤثر في استقرارها الثقافي والاجتماعي، فقد أصبحت الأخلاق والقيم اليوم عرضة لإعادة التعريف والتفاوض بين الأجيال، وبين الثقافات المحلية والعالمية، مما خلق توترا بين الثابت والمتحول.

يرى إيمانويل كانط أن الأخلاق تقوم على مبدأ “الواجب والنية الخالصة”، لا على المصلحة أو النفع[9].  وهو بذلك يضع يده على مكمن الخطر في التحولات المعاصرة، في حين يؤصل “الواجب” كقيمة مطلقة ومنزهة عن الغرض، ويتجاوز ما يشهد الواقع المعاصر من انزياح حاد نحو النفعية والمادية، حيث تغدو الأخلاق والقيم نسبية تتأثر بالمصالح الفردية والاقتصادية، وهو انزياح يفرغ الفعل الإنساني من بعده الأخلاقي السامي، ويحوله إلى مجرد “مقايضة” مادية، مما يستوجب إعادة الاعتبار لتحصين الناشئة بالتربية الأخلاقية ضد الاستلاب المادي.

يشير زيغمونت باومان إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في “حداثة سائلة” تتصف بتفكك المعايير وغياب الثوابت القيمية[10]، ومحاولات “تسليع القيم” مع العولمة، مما يستوجب استحضار مرجعيات الهُوية الأصيلة لإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا لا مجرد كائن مستهلك كما تعتبره العولمة، وساهم “باومان” في تقديم مجموعة من التحديات التي يواجهها التمسك بالقيم الأخلاقية في ظل التحولات العالمية المتسارعة[11].

يتحدث باومان عن “السيولة” التي تفرض على المدرسة وظيفة جديدة، فهي لم تعد مطالبة فقط بنقل القيم، بل ببناء “صلابة أخلاقية” لدى الناشئة تمكنهم من الصمود أمام تيارات الاستهلاك والتحلل من الانتماء، ومن هنا تبرز الحاجة، كما يرى ألفين توفلر، إلى “تربية للمستقبل” قادرة على تمكين الأجيال من التكيف مع التغيرات دون فقدان القيم الجوهرية[12]، لهذا يواجه المجتمع تحديا حقيقيا في ترسيخ القيم المستقرة داخل منظومة سائلة ومتغيرة.

من جهة أخرى، أدى الانفتاح الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي إلى إعادة تشكيل مفاهيم الأخلاق، حيث تراجعت الحدود بين الخاص والعام، وبين القيمي والمشهدي أي بين ما هو التزام داخلي وبين ما هو استعراضي، مما أسهم في بروز أنماط جديدة من السلوكات الاجتماعية تفتقر أحيانا إلى البعد الأخلاقي، كما تواجه الأخلاق والقيم أيضا تحديات ترتبط بالتنوع الثقافي والاختلاف الديني والحضاري، حيث تتقاطع قيم الهُوية الذاتية مع قيم العولمة، مما يفرض على التربية الأخلاقية بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين القيم الإنسانية المشتركة في الهوية الذاتية وتلك التي تُفرض بمثابة نمط وحيد للحياة، ويرى تشارلز تايلور أن هُويّة الفرد لا تتشكل في عزلة، بل تتكون داخل أفق من القيم والمعاني الثقافية التي تمنح أفعال الإنسان دلالتها الأخلاقية [13].

إن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين القيم الأصيلة المستمدة من المجتمعات المحلية، وبين القيم الكونية الحديثة، توازن يرتكز على تربية أخلاقية نقدية وواعية، وهو ما يفرض على مؤسسات التنشئة الاجتماعية أن تكون جسرا يربط بين الخصوصية المحلية الوطنية والكونية الإنسانية دون ذوبان أو انغلاق، ومن أبرز القضايا الأخلاقية الراهنة التي تطرحها هذه التحولات: النزاهة المهنية، واحترام الخصوصية الرقمية، والمساواة بين الجنسين، وحماية البيئة، واحترام التنوع الثقافي.

2.1. التحديات المعاصرة:

  • تحديات أخلاقية معقدة مع التطور التكنولوجي:

تواجه الأخلاق والقيم في عصرنا الحالي تحديات معقدة ومتنوعة تنبع من التغيرات السريعة والمتواصلة للتكنولوجيا المتقدمة في مختلف مجالات الحياة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وغياب ضوابط الاحترام والفصل بين حرية التعبير غير المنضبطة وبين الحق في الكرامة والخصوصية، كل هذا أدى إلى ظهور ظواهر اجتماعية جديدة، فرغم أن العولمة أسهمت في ربط العالم تقنيًا واقتصاديًا وعززت التواصل بين المجتمعات، فإنها في المقابل أدت إلى تفكيك المسؤولية الأخلاقية الجماعية وجعلتها أكثر هشاشة وفردانية، مما جعل العلاقة بين العولمة والأخلاق تتسم بطابع من الانفصال، وتراجع الأمان الاجتماعي وتهميش الفئات الضعيفة التي لا تمتلك القدرة على الاندماج في منطق الاستهلاك الذي يميز الاقتصاد المعولم [14].

كما أن التكنولوجيا أتاحت فرصا هائلة للتعلم المفتوح والتواصل الإنساني، وسهل الفضاء الرقمي تبادل المعطيات المعرفية والثقافية والقيم الإنسانية بين الشعوب، وفي نفس الوقت خلقت تحديات أخلاقية معقدة مرتبطة بتأثير الخوارزميات على الرأي العام، وانتشار المعلومات المضللة.

إن التكنلوجيا لا تنقل المعلومات والمعطيات بشكل محايد، والاعتقاد في ذلك وَهْمٌ خطير، لأن الأدوات التقنية تحمل في طياتها انحيازَ مصمميها، مما يفرض على مؤسسات التنشئة الاجتماعية المعنية بالتربية الأخلاقية عدم الاكتفاء بتعليم “المهارات التقنية”، بل التركيز على “فلسفة التكنولوجيا” لتوعية الناشئة بكيفية الحفاظ على سيادتها الأخلاقية.

يذهب يوفال نوح هراري إلى أن الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي “تعيد برمجة السلوك الإنساني” بطريقة تجعل الإنسان أكثر قابلية للتأثر والتوجيه، مما يطرح تساؤلات عميقة حول حرية الإرادة والمسؤولية الأخلاقية في العصر الرقمي. [15]

إن “إعادة البرمجة” التي يشير إليها هراري تستدعي “إعادة تربية” مضادة، فالمسؤولية الأخلاقية اليوم تقتضي تربية أخلاقية وبناء “وعي نقدي” لدى الناشئة يحميها من التوجيه الخفي للخوارزميات، ويؤكد هراري في السياق التربوي أن “التربية الأخلاقية الرقمية أصبحت شرطا أساسيا لتنشئة مواطن رقمي مسؤول”[16]، لأن المتعلم المعاصر يحتاج إلى مهارات التمييز القيمي والنقد الأخلاقي لاستخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية.

  • التحديات الأخلاقية والعولمة والتنوع الثقافي:

تعتبر العولمة ظاهرة مركبة أثرت في بنية المجتمعات المعاصرة على المستويين الثقافي والتربوي، إذ أعادت صياغة أنماط التفكير وأنساق القيم عبر انفتاح غير مسبوق على العالم.”[17]

ويؤكد إدوارد سعيد أن “العولمة الثقافية قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الغربية على الثقافات الأخرى”، داعيا إلى بناء وعي نقدي يمكن الأفراد من مقاومة التنميط الثقافي[18]، لتجنب الذوبان في “الثقافة النمطية” التي تروج لها الوسائط العالمية.

  • التحديات الأخلاقية والتغيرات الاجتماعية المعاصرة:

لقد أدت التغيرات الاجتماعية الكبرى، مثل تحول الوظائف الأسرية والاجتماعية، وتراجع سلطة الجماعة التقليدية، وصعود النزعة الفردانية، إلى إعادة ترتيب أولويات القيم في الحياة اليومية، فبينما تعزز هذه التحولات قيما إيجابية مثل: الحرية، والتنوع، والمساواة،…، فإنها في الوقت ذاته أضعفت روابط الانتماء والتراحم والتضامن الاجتماعي، كما لاحظ زيغمونت باومان حين قال إننا “نعيش في زمن أصبحت فيه القيم سائلة، تتبدل مع تغير السياقات الاجتماعية، ولا تملك الجذور الثابتة التي كانت لها في الماضي”[19]، ويمكن القول إن المجتمعات الحديثة تشهد تحولا من أنماط السلوك التقليدية إلى ما يسميه أنطوني غيدنز “الهوية العاكسة”، حيث يصبح الفرد مسؤولا عن إعادة بناء ذاته وقيمه بشكل مستمر.”[20]

هذا التحول يجعل من التربية الأخلاقية مهمة أكثر تعقيدا، إذ يجب أن توازن بين المحافظة على القيم الأصيلة والانفتاح على قيم الحداثة والاختلاف، لأن ترك بناء القيم لمسؤولية الفرد المطلقة قد يؤدي إلى “تيه قيمي” إذا لم تتدخل المؤسسات التربوية لتزويد الناشئة بأسس متينة.

كما ينبه عبد الرحمن بدوي إلى خطورة “الانبهار بالتحولات الاجتماعية دون وعي أخلاقي راسخ، مما يجعل الفرد يعيش حالة من الاغتراب القيمي”[21].

إن هذه التحولات السلوكية والاجتماعية قد تمثل تهديدا لمنظومة الأخلاق والقيم، وعلينا أن نستثمر هذه الوضعية ونَعُدَّها فرصة لتجديد المنظومة الأخلاقية بما يتلاءم مع ترسيخ مبادئ العدل والسلم والتراحم ومتطلبات المشترك الإنساني،  ويؤكد أمارتيا صن “أن المجتمعات التي تعيد النظر في قيمها وتتكيف مع التحولات دون أن تفقد مبادئها الأساسية، هي مجتمعات أكثر قدرة على تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية”[22].

من هنا، تبرز الحاجة إلى التربية الأخلاقية التي تمكن الناشئة من التفاعل الإيجابي مع التحولات الاجتماعية والسلوكية، بما يسهم في بناء إنسان متوازن قادر على التوفيق بين أصالة مبادئه والتجديد دون أن يفقد بوصلة هُويته الأخلاقية، عبر تنمية مهارات التفكير النقدي، والحوار الثقافي، والوعي الذاتي.

  • التحديات الأخلاقية والأزمة البيئية:

تمثل التحديات البيئية إحدى أبرز القضايا التي أعادت الوعي الأخلاقي في العصر الحديث، فمع تفاقم مشكلات الاحتباس الحراري، وتلوث الموارد الطبيعية، وتدهور التنوع البيولوجي، برزت الحاجة إلى تأسيس أخلاق بيئية جديدة تتجاوز الرؤية الضيقة التي تجعل من الطبيعة مجرد “مورد للاستغلال”، لتبني علاقة قائمة على المسؤولية المشتركة والاستدامة.

يشير الفيلسوف الألماني هانز يوناس إلى أن “المسؤولية الأخلاقية لم تعد تقتصر على العلاقات بين البشر، بل امتدت لتشمل مسؤولية الإنسان تجاه الكائنات الحية والطبيعة ذاتها”[23].

يخرج يوناس بالواجب الأخلاقي من حيز “الحاضر” و”العلاقة بين الأفراد” إلى أفق “المستقبل” و”العلاقة مع الكون”، هذا التحول يجعلنا نعلم الناشئة بأن الاعتداء على البيئة هو اعتداء أخلاقي وجريمة في حق الأجيال القادمة ليصبح “الوعي البيئي” جزءا لا يتجزأ من “الضمير الأخلاقي”، ويرى الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن أن الأزمة البيئية هي في جوهرها أزمة أخلاقية، إذ يقول: “ما تدهورُ البيئة إلا أثر من آثار الفساد الأخلاقي للإنسان الذي فقد وازع الأمانة تجاه الكون”[24]، لأن في الإسلام، تقوم علاقة الإنسان بالكون على أساس الاستخلاف والتسخير والانسجام، فالإنسان مكرَّم ومكلَّف بإعمار الأرض، والكون كلّه مسخَّر لخدمته، مما يوجب عليه التعامل معه بمنطق الرعاية والمسؤولية وليس الاستنزاف أو الاستعلاء.

ومن هذا المنطلق فإن التحديات البيئية تفرض إعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية على أساس جديد يقوم على العدالة البيئية والتضامن بين الأجيال.

إن دمج هذه الرؤى يؤكد أن التربية الأخلاقية الحديثة تكتمل بإدماج “بعد بيئي” رصين، ومن هنا، يبرز دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في تحويل “المفاهيم البيئية” إلى “مواقف أخلاقية” تتبنى النزاهة في الاستهلاك والاحترام العميق لكل أشكال الحياة.

  • التحديات الأخلاقية وخصوصية البيانات الشخصية:

موضوع الخصوصية وحماية البيانات الشخصية وصيانة حرمة الحياة الخاصة أصبح من أبرز التحديات الأخلاقية في العصر الرقمي حين تستخدم البيانات الشخصية بدون موافقة لأغراض تجارية أو سياسية (كالتوجيه الخفي للسلوك الاستهلاكي أو الانتخابي).

فقد أشارت المفكرة الأمريكية هيلين نيسينباوم إلى أن الخصوصية ليست رفاهية اختيارية، بل هي شرط أساسي لكرامة الإنسان واستقلاليته الأخلاقية [25]، وتؤسس هيلين لرؤية تربوية تشير فيها إلى أن الفرد حين يشعر بأنه مراقب باستمرار يفقد قدرته على التصرف بعفوية وصدق، مما يشوه نموه الأخلاقي، ثم إن انتهاك الخصوصية ليس مجرد ثغرة تقنية، بل هو اعتداء على “الاستقلال الذاتي” الذي يعد جوهر الشخصية الأخلاقية، وهذا يفرض على مؤسسات التنشئة الاجتماعية أن تُعلم الناشئة قيم “الحياء الرقمي” و”حرمة المعطيات” باعتباره جزءا من التربية على المواطنة، وينبغي أن تدمج المبادئ الأخلاقية الأساسية في تصميم الأنظمة الرقمية، بما في ذلك الأمان، والعدالة، والمسؤولية تجاه المستخدمين.

إن وعي مؤسسات التنشئة الاجتماعية بهذه المفاهيم ودمجها في أشكال التربية المنوطة بها يعد مدخلا أساسيا لتوعية الناشئة بحقوقهم وواجباتهم في هذا الفضاء الافتراضي، فالمواطنة الصالحة اليوم لم تعد تقتصر على السلوك في الشارع العام، بل تمتد لتشمل النزاهة والمسؤولية في التعامل مع البيانات والخصوصيات.

  • التحديات الأخلاقية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية:

يشكل العدل الاجتماعي والاقتصادي أحد القضايا الأخلاقية المحورية في المجتمعات المعاصرة حيث تواجه تحديات متزايدة بسبب الفوارق الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي أفرزتها العولمة والأنظمة المالية الحديثة، فالشركات اليوم مطالبة بتحقيق التوازن الصعب بين غاية تحقيق الربح وبين الالتزام بالمبادئ الأخلاقية التي تحافظ على ثقة المجتمع والمستهلكين، ومن أبرز هذه التحديات تحقيق المساواة في الفرص والموارد، إذ تعاني العديد من المجتمعات من التمييز الاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص، مما يؤدي إلى تفاوت كبير في الثروات والدخل ويؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

يؤكد الفيلسوف الأمريكي جون راولز أن “العدالة ليست مجرد تساوي في المعاملة، بل هي توفير الفرص الحقيقية للجميع للتمتع بالحقوق والموارد بطريقة عادلة”[26]، كما يعتبر أن العدالة لا تتحقق في المؤسسات إلا من خلال “الشفافية والمساءلة التي تضمن المساواة في الفرص والحقوق داخل الفضاء الاقتصادي”[27].

يخرج راولز هنا بالعدالة من طابعها الشكلي إلى أفقها “الإنصافي”، فالمساواة الحقيقية تقتضي مراعاة نقط انطلاق الأفراد، لإن إغفال هذا البعد في السياسات قد يحول مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أداة للارتقاء الاجتماعي إلى أداة لترسيخ التفاوت، مما يفرض على هذه المؤسسات غرس قيم “التراحم والتضامن” وقيم “العدل والإنصاف” كضمانات أخلاقية لتماسك المجتمع.

يشير أيضا المفكر الفرنسي بيير بورديو إلى أن التفاوت في رأس المال الاجتماعي والثقافي يفاقم الفوارق الاقتصادية ويخلق تحديات أخلاقية كبيرة تتعلق بالإنصاف والعدالة، [28]وتشمل التحديات الأخلاقية أيضا توزيع الثروات، وتوفير الخدمات الأساسية، والحد من الفقر، بالإضافة إلى قضايا حقوق العمال وظروف العمل، التي تتطلب سياسات عادلة تحقق توازنا بين مصالح أصحاب العمل والعمال، ويرى المفكر الاقتصادي أمارتيا صن أن “التنمية الاقتصادية لا تكتمل إلا إذا ترافقت مع العدالة الاجتماعية وتمكين الفئات الضعيفة من المشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية”[29].

هكذا يربط أمارتيا صن بين “الحرية” و”التنمية” برباط أخلاقي، فالاقتصاد الذي لا يحرر الإنسان من الحاجة والجهل هو اقتصاد مفتقر للأخلاق. وبناء عليه، فإن التربية الأخلاقية يجب أن تنمي في الناشئة “الحس بالمسؤولية الاجتماعية” تجاه الفئات الهشة، ليكون المواطن فاعلا في بناء اقتصاد إنساني.

من هذا المنطلق، تصبح معالجة التحديات الأخلاقية في العدل الاجتماعي والاقتصادي ضرورية لتأسيس مجتمع متوازن يضمن احترام حقوق الإنسان، وتعزيز المساواة، وتحقيق العدالة الشاملة، بما يسهم في الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة. إن حضور هذه القيم لدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية يعد لبنة أساسية في تشكيل وعي الناشئة بكرامة العمل، وقيمة العدل، وحق الجميع في العيش الكريم.

  • التحديات الأخلاقية وحقوق الإنسان:

تعد حقوق الإنسان من أكثر المجالات التي تواجه تحديات أخلاقية معقدة في العالم المعاصر، إذ تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية لتشكل منظومة قلقة تحت الاختبار الدائم، وتتجلى أبرز هذه التحديات في قضايا التمييز وعدم المساواة في تطبيق الحقوق، سواء على أساس العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، مما يؤدي إلى اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات، ويجعل من “الكونية” مجرد شعار يفتقد للواقعية في الممارسة[30].

في ظل ما ظهر بعد حرب الإبادة الجماعية التي بدأت منذ07 أكتوبر 2023 ولازالت في غزة والشرق الأوسط، وما ظهر من قمع للمظاهرات السلمية المنددة بها في كثير من الدول وخصوصا في الدول الغربية، تثار تساؤلات أخلاقية عميقة حول حقوق الشعوب والأقليات والمهاجرين في ظل السياسات التقييدية أو الفجوات القانونية التي تؤدي إلى انتهاك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وهو ما يضع الضمير العالمي أمام صراع بين سيادة الدولة وبين المبادئ الأخلاقية الفطرية التي تمنح الإنسان حق العيش بكرامة أينما وجد[31].

يتبين أن التربية على حقوق الإنسان داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية هي المدخل الأساسي لتحويل هذه المبادئ إلى سلوك يومي، وهذه المؤسسات مطالبة بمعالجة هذه التحديات (كالتمييز، واللجوء، والنزاعات) بروح أخلاقية نقدية.

  • التحديات الأخلاقية والذكاء الاصطناعي:

يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المجالات التي تواجه تحديات أخلاقية في العصر الرقمي، إذ لم يعد التأثير التقني محصورا في كفاءة الأداء، بل أصبح من الممكن جمع وتحليل كميات هائلة من المعلومات عن الأفراد، مما يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية استخدام هذه البيانات وضمان سريتها وحمايتها من الاختراق أو الاستغلال التجاري غير المشروع [32]، ويبرز التحيز الخوارزمي كأحد التحديات الأخلاقية الكبرى، إذ يمكن أن تعكس الخوارزميات التحيزات البشرية الكامنة في البيانات المستخدمة لتدريبها، مما يؤدي إلى قرارات غير عادلة أو تمييزية في مجالات التوظيف أو غيرها، كما تثير القرارات الذاتية للأنظمة الذكية، خاصة في المجالات الحساسة مثل الطب والأمن، قضايا تتعلق بالمسؤولية القانونية والأخلاقية، فمن المسؤول عند وقوع الخطأ أو الضرر؟ هل هو المبرمج، أم الشركة المصنعة، أم النظام الذاتي نفسه؟[33].

ومع ظهور المكننة الذكية (IA) التي تدمج الذكاء الاصطناعي لإتاحة مكننة البرامج ذاتية التحسين، وتوسع مكننة العمليات الروبوتية (RPA) في المهام المكتبية المتكررة، تزداد الحاجة إلى وعي أخلاقي يواكب هذه التحولات، لذلك، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب تطوير أطر ومعايير أخلاقية واضحة تضمن الشفافية والمساءلة واحترام الكرامة الإنسانية، مع إدماج البعد الأخلاقي في تصميم واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس[34].

يستخلص أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ليست “محايدة” أخلاقيا، بل هي حاملة لقيم صانعيها ومستخدميها، وأن دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في هذا السياق عليها أن يتجاوز مجرد التعريف بالتقنية إلى غرس “الحس النقدي” لدى الناشئة، لتتعامل مع المكننة والذكاء الاصطناعي بوعي أخلاقي يحمي خصوصيته ويحفظ إنسانيته، وتعد مبادرة وزارة التعليم في الصين نموذجا يحتذى به، وقد وضعت خلال الموسم الدراسي 2025-2026 إطاراً جديداً لدمج مقررات الذكاء الاصطناعي في مناهج تكنولوجيا المعلومات… بمقتضاه يتعلم طلاب الصف الثالث الأساسيات في الذكاء الاصطناعي، بينما يركز طلاب الصف الرابع على البيانات والبرمجة، وبحلول الصف الخامس، يتعلم الطلاب الخوارزميات التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي”،[35] يبدو أن تعلم أساس خوارزميات الذكاء الاصطناعي منذ السن المبكرة سوف يعطي الحصانة اللازمة إن ارتبطت بالقناعات الأخلاقية في التعامل مع المعلومات الرقمية لتكنلوجيا الذكاء الاصطناعي.

2. التحديات المعاصرة والأخلاق والقيم:

نقف عند بعض الاستنتاجات والتوصيات التي وردت في سرد التحديات المعاصرة عن عدد من المفكرين والفلاسفة[36]، والتي توجه إلى استحضار القيم والأخلاق في التربية وإدماجها في نظام التربية والتعليم ومؤسسات التنشئة الاجتماعية لتجاوز هذه التحديات نذكر منها:

  • الوعي بأن معالجة التحديات المعاصرة هي فرصة لتجديد المنظومة الأخلاقية بما يتلاءم مع متطلبات العصر لتحقيق العدل والتراحم والكرامة الإنسانية.
  • تعليم “المهارات التقنية”، والتركيز على “فلسفة التكنولوجيا” لتوعية الناشئة بكيفية الحفاظ على سيادتها الأخلاقية،
  • بناء “وعي نقدي” لدى الناشئة يحميها من التوجيه الخفي للخوارزميات، واستخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية،
  • إدماج التربية الأخلاقية الرقمية لبناء مهارات التفكير النقدي، والحوار الثقافي والتمييز القيمي والنقد الأخلاقي،
  • تجنب الذوبان في “الثقافة النمطية” التي تروج لها الوسائط التواصلية العالمية،
  • الانفتاح على القيم الإنسانية المشتركة (الكونية)، والحفاظ على ثوابت المجتمعات الأخلاقية (الهوية الذاتية) أمام العولمة السائلة،
  • غرس قيم “التراحم والتضامن” و”العدل والإنصاف” كضمانات أخلاقية لتماسك المجتمع،
  • توعية الناشئة بحقوقهم وواجباتهم في الفضاء الافتراضي، فالمواطنة الصالحة اليوم لم تعد تقتصر على السلوك في الشارع العام، بل تمتد لتشمل النزاهة والمسؤولية في التعامل مع البيانات والخصوصيات الرقمية،
  • غرس “الحس النقدي” لدى الناشئة، لتتعامل مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بوعي أخلاقي يحمي خصوصيتها ويحفظ إنسانيتها، لأنها تحمل قيم صانعيها،
  • دمج الرؤى الفلسفية للتربية الأخلاقية البيئية و”الأمانة الكونية” للطبيعة،
  • تنمية “الحس بالمسؤولية الاجتماعية” لدى الناشئة اتجاه الفئات الهشة من خلال التربية الأخلاقية مبنية على العدل والتراحم والتضامن.
  • إدماج التربية على حقوق الإنسان لكونها المدخل الأساسي لتحويل المبادئ التي تدافع عنها إلى سلوك يومي بروح أخلاقية نقدية.

المحور   الثالث: المقاربة التربوية ومؤسسات التنشئة

1. تأثير التربية على الأخلاق والقيم في سلوك الأفراد:

بعد تشخيص للوضعية الأخلاقية المرتبطة بالتحديات الأخلاقية المعقدة المعاصرة المرتبطة بالتطور التكنولوجي والعولمة وتقديم بعض المقترحات والتوصيات للنظر في معالجتها بتضافر جهود كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية بالمجتمع وخصوصا مؤسسات الأسرة، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني، ودور العبادة من مساجد ومؤسسات دينية و…، وضرورة التنسيق بينها للمساهمة في بناء الإنسان الفعال في مجتمعه المتميز بشخصيته المستقلة المتوازنة القادرة على تغليب المبادئ والقيم الأخلاقية التي تشربها على مغريات العالم الرقمي وتحديات الاجتماعية والاقتصادية والمصالح الشخصية.

يتطلب الأمر تحصين الناشئة وتزويدها ببوصلة الأخلاق والقيم لتمنحها التوازن النفسي والمعرفي والاطمئنان الاجتماعي لتصبح معتزة بهُويتها المبنية على دينها ولغتها ويمنحها ثقة العيش المشترك الإنساني الكوني والحفاظ على السلام العالمي والمستقبل الكوني البيئي.

وهذا لن يتأتى إلا باستحضار التوصيات التي ذكرت في الفقرة السابقة، واستيعاب آراء المفكرين وتوجيهاتهم ودمجها بما يناسب في الإطار الفلسفي للتربية المجتمعية التي تحدد نموذج الإنسان المراد تكوينه وفق البعد العقلي والجسمي والروحي لمكونات الشخصية الإنسانية، وتعمل الأخلاق والقيم بمثابة مرشدات للسلوك الفردي، حيث تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول في المجتمع، مما يمنح الفرد “بناء داخليا” لتقييم أفعاله قبل صدورها.

يشرح “جون ديوي” في كتابه ” الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني” كيف تشكل القيم الأخلاقية الشخصية قرارات الأفراد وسلوكهم اليومي[37]، فالأخلاق والقيم المشتركة تساعد في بناء مجتمع متماسك ومستقر، وتمثل “اللحام الاجتماعي” الذي يربط الأفراد رغم اختلافاتهم، فالقيم المشتركة تعزز التعاون والتفاهم بين أعضاء المجتمع.

يقول صاحب كتاب “دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية” إن بناء الفرد أخلاقيا ليس شرطا لنجاحه في حياته الخاصة فحسب، بل هو أساسٌ أيضا لبناء المجتمع والحضارة الإنسانية الراقية [38] حيث يحصل الاستقرار والازدهار.

في ظل التحديات المعاصرة، مثل العولمة، والتقدم التكنولوجي، والتفاوت الاقتصادي، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز منظومة الأخلاق والقيم، والعمل على غرسها في نفوس الأجيال الناشئة من خلال التربية الأخلاقية بمؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية، مع ضرورة صيانتها وتطوير آليات ترسيخها بما يواكب التغيرات الحديثة، دون المساس بجوهرها الثابت. ويعد ترسيخ هذه الأخلاق والقيم في مختلف مناحي الحياة، ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر إشراقا، وإقامة مجتمع أكثر عدلا وإنسانية وتراحما.

إن التربية الأخلاقية لا يمكن أن تؤتي فعلها إلا إذا ارتكزت على مجموعة من المبادئ تأطر الفلسفة التربوية نذكر منها:

المبدأ الاستراتيجي التوقُعي الذي يَنظُر على المدى البعيد في كل تخطيط، المبدأ الاقتصادي بالاستثمار في الإنسان أولا، ليكون محور التنمية وغايتها الأساسية قبل الأصول المادية وذلك بغرس القيم الإيجابية لتمكينه من صناعة المستقبل بتبني اقتصاد القوة والكفاية، ومبدأ تكافؤ الفرص أو العدل والإلزامية في التربية،  ومبدأ الاعتزاز بمكونات الهوية اللغة والدين، والمبدأ التاريخي بالاعتداد بوقائع تاريخنا وتاريخ الأمم، ومبدأ مراعاة خصائص نمو الإنساني وتطوره الفكري والاجتماعي والأخلاقي ونضج شخصيته في أبعادها العقلية والوجدانية والمهارية، و…

مؤسسات التنشئة الاجتماعية يعتمد عليها في غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية في نفوس الناشئة منذ نعومة أضافرها، فهي لا تقتصر على نقل المعارف والمعلومات الصماء، بل تعمل على بناء الشخصية المتكاملة عبر تضمين القيم والمبادئ السامية في المحتوى والأنشطة التي تقوم بها.

يرى رالف تايلر[39] أن البعد الإجرائي للتربية ليس بجمالية الأهداف المسطرة، بل في مدى قدرة التربية لتحويل هذه الأهداف إلى “خبرات”، حيث يُعدُّ أي انفصال بين التخطيط القيمي وبين الممارسة داخل الوضعية التعليمية إفراغا للعملية التربوية من محتواها التربوي، وتصبح القيم بعد ذلك مجرد مادة للحفظ لا منهجا للحياة، ويؤكد جون ديوي أن “المدرسة ليست مكانا لتلقين المعارف فقط، بل مجتمعا أخلاقيا مصغرا يتعلم فيه الأطفال التعاون والمسؤولية والاحترام المتبادل” [40]، ويرى دوركايم أن الهدف الأساس من التربية هو “غرس القيم الأخلاقية التي تضمن تماسك المجتمع واستقراره”، موضحا أن المدرسة تُعَدُّ المؤسسة الاجتماعية التي تمارس هذا الدور بصورة واعية ومنظمة[41].

نفتح قوسين للحديث عن المدرسة نموذج من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الذي وصف بالمؤسسة الاجتماعية الواعية والمنظمة -حسب دوركايم- ثم نعود للتربية الأخلاقية في مؤسسات التنشئة الاجتماعية ونعمم الخلاصات.

2. التربية الأخلاقية بين التحديات المجتمعية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية:

إن التربية الأخلاقية تعد عملية تربوية شاملة ومستمرة، تتجاوز الإطار الضيق للمؤسسات التعليمية لتشمل مختلف الأنشطة التربوية والتفاعلات اليومية داخل المدرسة وخارجها، فهي لا تقتصر على تلقين القيم أو تدريسها بوصفها محتوى معرفيا مجردا يقاس تحصيله بالاختبارات، بل تهدف في عمقها تنمية الوعي الأخلاقي، وبناء الضمير الحي لدى الناشئة، من خلال الممارسة العملية، والخبرة المباشرة، والتفاعل الاجتماعي، مما يفضي إلى تمثل القيم وتحويلها إلى سلوك راسخ وممارسة يومية.

أما عن الاستراتيجيات الفعالة المطلوبة لتعزيز الأخلاق والقيم في التعليم نذكر منها، استعمال الأساليب التفاعلية والحوار، والقدوة التربوية والتجسيد السلوكي، والأنشطة اللاصفية والتمكين القيمي، والمناقشات والتقدير الإيجابي،  والشراكة المؤسساتية والمجتمعية…

يرى جون ديوي أن التربية الأخلاقية ليست تعليما للنظريات، بل هي “تجربة اجتماعية تكسب الفرد القدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية في ضوء المواقف الواقعية التي يعيشها”[42].

ويضيف “إن الاكتفاء بالشرح النظري في المؤسسات التعليمية قد ينتج “انفصاما” بين المعرفة والسلوك، لذا، تبرز قيمة “التجربة” عند ديوي كشرط للصحة الأخلاقية، حيث يتعلم الطفل كيف يوازن بين مصلحته الشخصية والصالح العام في سياق اجتماعي حقيقي، وهو ما يعزز لديه التفكير الأخلاقي النقدي بدلا من الطاعة العمياء.

كما يؤكد جان بياجيه أن الطفل لا يكتسب السلوك الأخلاقي عبر التلقين، وإنما من خلال “التفاعل الاجتماعي الذي يتيح له اختبار العدالة والاحترام المتبادل في الحياة اليومية”[43].

يستنتج من رؤية بياجيه هذه أن “الاستقلال الأخلاقي” ينمو عبر بوابة الأقران والتفاعل الأفقي، وليس فقط عبر الأوامر الفوقية، فالتفاعل يمنح الطفل فرصة “اختبار” قيمة العدالة عند توزيع الأدوار أو حل النزاعات في الوضعيات الحوارية والقصص التي تضع المتعلم في موقع الحكم والمشارك، لا مجرد متلق سلبي للوصايا.

يؤكد محمد الغزالي أن التربية الأخلاقية “لا تتحقق إلا إذا تضافرت المعرفة والسلوك والقدوة، لأن الأخلاق تُرى في الأفعال أكثر مما تقال في الأقوال”[44]، وهو يضع “الفعل” و”القدوة” شرطين لانصهار المعرفة في الشخصية، فالقيمة التي لا يراها المتعلم متجسدة في قدوة حية تظل فكرة مجردة بلا روح. ويؤكد طه عبد الرحمن المعنى نفسه حين يرى أن “الأخلاق ليست مكملا للتعليم، بل هي روح التربية، إذ من دونها تفقد العملية التربوية معناها الإنساني” [45].

إن هذا التصور الشامل للتربية الأخلاقية يجعلها نظاما متكاملا لبناء الإنسان في جوانبه الفكرية والوجدانية والسلوكية، يهدف إلى إعداد الشخصية القادرة على التمييز بين الصواب والخطأ، واتخاذ قرارات مسؤولة في مواجهة التحديات القيمية التي تفرضها الحياة المعاصرة.

بناء على هذا التلاحم بين التجربة (ديوي)، والتفاعل (بياجيه)، والقدوة السلوكية (الغزالي)، والروح الائتمانية (طه عبد الرحمن)، يتأكد أن التربية الأخلاقية عليها أن تراعي هذا الشمول، من “وضعيات” و”نماذج” تحفز الناشئة على اختبار القيم في نسيجها الاجتماعي، استعدادا لمواجهة تحديات “السيولة القيمية” التي تميز العالم الحديث.

دوركايم يمنح للمناهج[46] صبغة “الضرورة الوجودية” للمجتمع، ويؤكد أن المناهج هي التي تنظم “الضمير الجمعي”، لماذا تعدُّ المناهج ضرورة وجودية للمجتمع؟

لأن المناهج تمثل “استراتيجية تربوية، وتخطيط منظم لعملية التعليم والتعلم في ضوء فلسفة تربوية مترجمة إلى كفايات وأهداف واضحة، وأنشطة وخبرات وظيفية، وطرائق ووسائل مناسبة، وأساليب اختبار هادفة لتمحيص مدى تحقق الأهداف المنشودة وتقويم مدى فعالية العناصر المتفاعلة في السير نحوها.”[47]

المناهج “الضرورة الوجودية” للمجتمعات تتمثل في “استراتيجية وتخطيط وفلسفة و… وتقويم”، هذه “الضرورة الوجودية” عليها أن تُنقل إلى كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية وتَستوعبها وتُكيِّفها حسب خصوصيها، ليُصبح لكلٍ منها “وثيقة على شاكلة المنهاج” تتضمن “استراتيجية، وتخطيط، وفلسفة و… وتقويم”، هذه الوثيقة تنظم عملية التربية الأخلاقية في ضوء الفلسفة المجتمعية الواحدة التي تؤطرها نفس المبادئ التي ذكرنا بعضها سابقا.

يشير عبد الرحمن النحلاوي إلى أن المناهج التعليمية يجب أن “تدمج القيم الأخلاقية في جميع المواد التعليمية، بحيث تكون الأخلاق روح التعليم لا مادة مستقلة عنه”[48] ، ويكون حضور الأخلاق والقيم له دلالة في تدريس جميع المواد.

ننقل تعميم تدريس القيم الأخلاقية في جميع المواد للدكتور عبد الرحمن النحلاوي من المؤسسات التعليمية إلى المجتمع، ونقول إن التربية الأخلاقية عليها ألا تدرس فقط في المؤسسات التعليمية، بل يجب أن تتضافر جهود جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية على تحقيق نفس الأهداف ونفس التوجه تحت إطار فلسفة مجتمعية واحدة لكي تترجم إلى سلوك عملي وممارسة اجتماعية وجماعية من أجل تحقيق العدل والتراحم التضامني والتشارك العادل للمواطنة العالمية لتحقيق السلم والسلام العالمي، ولكي تصبح الأخلاق ممارسة حياتية لا مجرد مفاهيم نظرية باردة.

والحمد لله رب العالمين

 

المراجع:

  1. إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط 4، 2014
  2. السيدة محمود إبراهيم سعد ، ومنال سيد يوسف حسنين، الدليل الإرشادي لإعداد السياسة التعليمية وقياس أثرها، إشراف المركز الإقليمي للتخطيط التربوي تحت رعاية اليونسكو)
  3. ألفين توفلر، صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد، 1970
  4. أمارتيا صن، التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2024
  5. أمارتيا صن، الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عام المعرفة، ع 352، 2008
  6. إمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، ألمانيا، ط1، 2002
  7. إميل دوركايم، التربية والأخلاق، ترجمة السيد محمد بدوي، المركز القومي للترجمة، سلسلة ميراث الترجمة، العدد 1886
  8. بيير بورديو، التميز النقد الاجتماعي للحكم، ترجمة :نصير مروّة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2024
  9. تشارلز تايلور، منابع الذات: تكون الهويات الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2014
  10. تشارلزآر بيتز، فكرة حقوق الإنسان، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، عدد 421، الكويت، 2015
  11. جان بياجيه، الحكم الأخلاقي عند الطفل، ترجمة عادل أبو حمدة، دار النهضة العربية، بيروت، 1983
  12. جون ديوي، الديمقراطية والتربية، ترجمة منى عقراوي وزكريا ميخائيل، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1946
  13. جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة محمد لبيب النجيحي ،سلسلة الميراث الترجمة، العدد 2681، 2015
  14. جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة: ليلى الطويل، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2011
  15. زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1 ،2016
  16. طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000
  17. عبد الرحمان العطار وعبد الكريم زهير وعبد الحليم أيت مجوض، “الأخلاق والقيم في المناهج الدراسية المغربية بالتعليم الابتدائي-الكتاب المدرسي لمادة اللغة العربية نموذجا-” الجزء الأول، إصدار الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم، مطبعة دار القلم، الرباط، (ماي 2026).
  18. عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، دار الفكر، دمشق، 2008، ط 26
  19. عبد الرحمن بدوي، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، دار القلم، بيروت، 1982
  20. كتاب “دليل مفاهيم الإشراف التربوي”، وزارة التربية والتعليم المملكة العربية السعودية
  21. لطفي أحمد بركات، المعجم التربوي، دار الوطن، الرياض، 1984
  22. مارك كوكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ترجمة هبة عبد العزيز غانم، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017
  23. محمد الغزالي، خلق المسلم، دار الريان للتراث، القاهرة، 1987
  24. مقداد يالجن، دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية، دار الشروق، بيروت، ط1، 1983
  25. هانز يوناس، مبدأ المسؤولية، ترجمة فؤاد زكريا، 1992،
  26. يوفال نوح هراري، 21 درسا للقرن الحادي والعشرين، ترجمة: مصطفى ناصر، دار التنوير، 2018
  27. Alasdair MacIntyre, A Short History of Ethics: A History of Moral Philosophy from the Homeric Age to the 20th Century, University of Notre Dame Press, 1981
  28. Anthony Giddens, The Consequences of Modernity, POLITY Pess, 1996
  29. Jan Assmann, The Search for God in Ancient Egypt, Cornell University Press, 2001
  30. Nissenbaum, Privacy in Context, Stanford University Press 2010
  31. Ralph W. Tyler, Basic Principles of Curriculum and Instruction، Université of Chicago Press, 1949
  32. Terence Irwin, Classical Thought, Oxford University Press, 1985
  33. Xinzhong Yao, An Introduction to Confucianism, Cambridge University Press, 2000
  34. https://www.npr.org/2026/01/27/nx-s1-5683821/china-ai-schools-curriculum#:~:text=Starting%20in%20the%20fall%2C%20every,%22intelligent%20agents%22%20and%20algorithms. ،  مقال وضع بالموقع بتاريخ 27يناير 2026، وتم الاطلاع عليه بتاريخ 21يوليوز 2026

[1]  Xinzhong Yao, An Introduction to Confucianism, Cambridge University Press, 2000, p: 32

[2] Jan Assmann, The Search for God in Ancient Egypt, Cornell University Press, 2001, p: 4

[3]  Alasdair MacIntyre, A Short History of Ethics: A History of Moral Philosophy from the Homeric Age to the 20th Century, University of Notre Dame Press, 1981, p: 57

[4] Terence Irwin, Classical Thought, Oxford University Press, 1985, p: 34

[5] حديث صحيح رواه أبو هريرة وأخرجه الإمام أحمد (8952) والبيهقي في شعب الإيمان (7978)

[6] Jean Porter, Natural and Divine Law: Reclaiming the Tradition for Christian Ethics, Eerdmans, 1999, p: 92

[7] Charles Dickens, Hard Times, Bradbury & Evans, 1854, p: 28

[8] عبد الرحمان العطار وعبد الكريم زهير وعبد الحليم أيت مجوض، “الأخلاق والقيم في المناهج الدراسية المغربية بالتعليم الابتدائي-الكتاب المدرسي لمادة اللغة العربية نموذجا” الجزء الأول، إصدار الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم، مطبعة دار القلم، الرباط، (ماي 2026)، ص ص: 65-71

 

[9]  إمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، ألمانيا، ط1، 2002، ص: 72

[10]زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1 ،2016، ص: 14

[11]  المرجع نفسه، ص ص: 145-162

[12]  ألفين توفلر، صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد، 1970، ص: 211

[13]   تشارلز تايلور، منابع الذات: تكون الهويات الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2014، ص: 35

[14]  زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، مرجع سابق، ص ص:101- 108

[15] يوفال نوح هراري، 21 درسا للقرن الحادي والعشرين، ترجمة: مصطفى ناصر، دار التنوير، 2018، ص: 87

[16] المرجع نفسه، ص: 56

[17] Anthony Giddens, The Consequences of Modernity, POLITY Pess, 1996, p:87

[18]  إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط 4، 2014، ص: 44

[19]  زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، مرجع سابق، ص: 57

[20]  Anthony Giddens, op cit, p131.

[21] عبد الرحمن بدوي، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، دار القلم، بيروت، 1982، ص: 74

[22] أمارتيا صن، الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عام المعرفة، ع 352، 2008، ص: 102

[23] هانز يوناس، مبدأ المسؤولية، ترجمة فؤاد زكريا، 1992، ص: 87

[24]  طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000، ص: 114

[25] Nissenbaum, Privacy in Context, Stanford University Press 2010, p: 17

[26]  جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة: ليلى الطويل، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2011، ص60

[27]  جون راولز، نظرية في العدالة، مرجع سابق، ص: 112.

[28]  بيير بورديو، التميز النقد الاجتماعي للحكم، ترجمة :نصير مروّة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2024، ص 135

[29]  أمارتيا صن، التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2024، ص 87

[30]   تشارلزآر  بيتز ، فكرة حقوق الإنسان، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، عدد 421، الكويت، 2015، ص: 77

[31]  المرجع نفسه، ص: 134

[32]  مارك كوكلبيرج، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ترجمة هبة عبد العزيز غانم، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017، ص: 46

[33]   المرجع نفسه، ص: 48

[34]   المرجع نفسه، ص: 55

[35] بتصرف من موقع:    https://www.npr.org/2026/01/27/nx-s1-5683821/china-ai-schools-curriculum#:~:text=Starting%20in%20the%20fall%2C%20every,%22intelligent%20agents%22%20and%20algorithms.                                                                ،  مقال وضع بالموقع بتاريخ 27يناير 2026، وتم الاطلاع عليه بتاريخ 21يوليوز 2026

[36] المفكرين والفلاسفة والعلماء الاجتماع والتربية الذين سبق وأن وقفنا عند آرائهم من أمثال جون راولز، وهيلين نيسينباوم، وهانز يوناس، وطه عبد الرحمن، وإدغان موران، وألدو  ليوبولد، وعبد الرحمن بدوي، وأمارتيا صن، وزيغمونت باومان، وأنطوني غيدنز، ويوفال نوح هراري، وإدوارد سعيد، وبيير بورديو، ومارك كوكلبيرج، ومارك كوكلبيرج، وتشارلزآر  بيتز  و…

[37] جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة محمد لبيب النجيحي ،سلسلة الميراث الترجمة، العدد 2681، 2015،  ص ص: 34-52

[38]  مقداد يالجن، دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية، دار الشروق، بيروت، ط1، 1983، ص: 32

[39]  Ralph W. Tyler, Basic Principles of Curriculum and Instruction، Université of Chicago Press, 1949, p: 45 (بتصرف)

[40] جون ديوي، الديمقراطية والتربية، ترجمة منى عقراوي وزكريا ميخائيل، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1946، ص: 121

[41] إميل دوركايم، التربية والأخلاق، ترجمة السيد محمد بدوي، المركز القومي للترجمة، سلسلة ميراث الترجمة، العدد 1886، ص: 63

[42]  جون ديوي، الديمقراطية والتربية، مرجع سابق، ص: 102

[43]  جان بياجيه، الحكم الأخلاقي عند الطفل، ترجمة عادل أبو حمدة، دار النهضة العربية، بيروت، 1983، ص: 54

[44]  محمد الغزالي، خلق المسلم، دار الريان للتراث، القاهرة، 1987، ص: 17

[45] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص: 41

[46] المرجع نفسه، ص: 63

[47]  وزارة التربية والتعليم المملكة العربية السعودية، كتاب “دليل مفاهيم الإشراف التربوي”، 2024 ، ص 123،124

[48] عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، دار الفكر، دمشق، 2008، ط 26، ص: 87

 

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare