إن الوتيرة المتسارعة للنزاعات العابرة للقارات، وتنامي مد الكراهية والعنف وتصدره للمشهد الإنساني العام، باعتباره الصورة النمطية الواحدة التي يراد فرضها أمرا واقعا، وهي الصورة التي أريد تكريسها معرفيا وفلسفيا من خلال التمكين – وعلى مدى عقود- لنظريات الصراع والصدام الحضاري، والترويج لأطاريح من قبيل نهاية التاريخ وموت الإنسان باعتبارها مقدمات لفرض رؤية معممة تلغي الرؤية والخصوصيات الإنسانية وتقدم الخاص على المشترك العام، كل هذا أدى في نهاية الأمر إلى هاجس أصبح اليوم واقعا معاشا وهو “حتمية الصراع والصدام”.
إن ألصق تعريف للإنسان وأقربه للمنطق العقلي يتحدد في عَدِّ هذا الإنسان كائنا أخلاقيا يتفرد عن غيره بميزتي الفكر والتعقل؛ والتعقل في أعلى درجاته هو الملكة والقدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين الصلاح والفساد وتفسير معانيهما، واستجلاء الصورة المثلى التي على أساسها يكون تعامل الإنسان مع محيطه، وهذا تحديدا هو عمق اشتغال السؤال الأخلاقي.
إن الحديث عن المشترك الأخلاقي هو في واقع الأمر نفوذ إلى عمق العمق الأخلاقي، بما يؤسس لعلاقات حضارية تنبني على التلاقي بدل التصادم، وينطلق البحث في هذا المشترك من القيم التي تتجاوز الخصوصيات الدينية والثقافية دون أن تلغيها، وفي مقدمتها قيم العدل والكرامة والرحمة والتعاون واحترام الإنسان.
من خلال قراءة أولية في الورقة المؤطرة لمؤتمر المشترك الأخلاقي، نجدها تطرح العديد من الإشكالات المعرفية موزعة على العديد من المحاور، ومن أهم هذه المحاور التي تثير اهتمام الباحث وتكتسب جدة وراهنية، قضية الهوية والمشترك الإنساني في ارتباطهما بالسؤال الأخلاقي.
إن من بين الإشكالات التي تقف حجرة عثرة أمام أي حوار حضاري جاد مؤسس على المشترك الأخلاقي، هو عدم قدرة الغرب أن يتخلص من نزوعه إلى فرض مرجعيته في كل المجالات ومنها القيم، ومحاولته بالمقابل تنميط الخصوصيات وصهرها عن طريق العولمة في قالب الكونية، عبر فرض قيم وهوية وثقافة الحضارة المتغلبة، ومصادرة حق باقي الحضارات في حريتها واختيار قيمها.
المأمول من هذا المؤتمر الواعد أن يعيد تعريف مفهوم القيم الكونية، وأن يضع الحد الفاصل ما بين الهوية الحضارية باعتبارها مجموع الخصائص والسمات الفكرية والثقافية والقيمية والدينية والتاريخية والاجتماعية والفنية التي تميز حضارةً معينة عن غيرها، وتمنحها طابعها الخاص واستمراريتها عبر الزمن، وما بين المشترك الإنساني بما هو مجموع القيم والمبادئ والحاجات والمقاصد التي تتقاسمها الإنسانية بغض النظر عن اختلاف الدين واللغة والعرق.
نافلة القولة، وارتباطا بالموضوع العام وبالمحاور المعروضة للنقاش والتداول ومنها محور الهوية والمشترك الإنساني، فإن مؤتمر المشترك الأخلاقي ودوره في بناء عالم يسوده العدل والسلم والتراحم، يشكل فرصة سانحة في عالم متصارع موار، لأجل رؤية مؤسسة لكونية أخلاقية مشتركة، متفاعلة وقابلة للتنوع والاختلاف، تكون القيم الكلية من قبيل العدل، والحرية، والسلم، هي القيم المرجعية الحاكمة والمبشرة بغد البشرية المشرق.

Write a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Name*
Enter Email*
Enter Website*
Enter Your Comment*

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare